{قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10) }
وَدَخَلَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ الَّذِي مَعْنَاهُ الْإِنْكَارُ عَلَى الظَّرْفِ الَّذِي هُوَ خَبَرٌ عَنْ الْمُبْتَدَأِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ فِي الشَّكِّ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَشْكُوكِ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ لِظُهُورِ الْأَدِلَّةِ وَشَهَادَتِهَا عَلَيْهِ.
وَقُدِّرَ مُضَافٌ فَقِيلَ: أَفِي إِلَاهِيَّةِ اللَّهِ.
وَقِيلَ: أَفِي وَحْدَانِيَّتِهِ، ثُمَّ نَبَّهَهُمْ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي يَقْتَضِي أَنْ لَا يَقَعَ فِيهِ شَكٌّ ألْبَتَّةَ وَهُوَ كَوْنُهُ منشئ الْعَالَمِ وَمُوجِدَهُ، فَقَالَ: فَاطِرِ السماوات والأرض. و (فاطر) صِفَةٌ لِلَّهِ، وَلَا يَضُرُّ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمَوْصُوفِ وَصِفَتِهِ بِمِثْلِ هَذَا الْمُبْتَدَأِ، فَيَجُوزُ أَنْ تَقُولَ: فِي الدَّارِ زِيدٌ الْحَسَنَةِ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ التَّرْكِيبِ فِي الدَّارِ الْحَسَنَةِ زَيْدٌ.
وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (فَاطِرَ) نَصْبًا عَلَى الْمَدْحِ، وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ مُوجِدُ الْعَالَمِ، وَنَبَّهَ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي لَا يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِيهِ شَكٌّ ذَكَرَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ اللُّطْفِ بِهِمْ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: (يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ) أَيْ: يَدْعُوكُمْ إِلَى الْإِيمَانِ كَمَا قَالَ: (إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ) أَوْ يَدْعُوكُمْ لِأَجْلِ الْمَغْفِرَةِ، نَحْوَ: دَعَوْتُهُ لِيَنْصُرَنِي.
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
دَعَوْتُ لِمَا نَابَنِي مِسْوَرًا ... فَلَبَّى فَلَبَّيْ يَدَيْ مسور
و (من ذُنُوبِكُمْ) ذَهَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَخْفَشُ إِلَى زِيَادَةِ (مِنْ) أَيْ: لِيَغْفِرَ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ.
وَجُمْهُورُ الْبَصْرِيِّينَ لَا يُجِيزُ زِيَادَتَهَا فِي الْوَاجِبِ، وَلَا إِذَا جُرَّتِ الْمَعْرِفَةُ، وَالتَّبْعِيضُ يُصْبِحُ فِيهَا إِذِ الْمَغْفُورُ هُوَ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ، بِخِلَافِ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعِبَادِ مِنَ الْمَظَالِمِ.
وَبِطَرِيقٍ آخَرَ يَصِحُّ التَّبْعِيضُ وَهُوَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَيَبْقَى مَا يُسْتَأْنَفُ بَعْدَ الْإِيمَانِ مِنَ الذُّنُوبِ مَسْكُوتًا عَنْهُ، هُوَ فِي الْمَشِيئَةِ وَالْوَعْدُ إِنَّمَا هُوَ بِغُفْرَانِ مَا تَقَدَّمَ، لَا بِغُفْرَانِ مَا يُسْتَأْنَفُ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَا مَعْنَاهُ: إِنَّ الِاسْتِقْرَاءَ فِي الْكَافِرِينَ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ ذُنُوبِكُمْ، وَفِي الْمُؤْمِنِينَ ذُنُوبَكُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْخِطَابَيْنِ، وَلِئَلا يُسَوِّيَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ انْتَهَى.
وَيُقَالُ: مَا فَائِدَةُ الْفَرْقِ فِي الْخِطَابِ وَالْمَعْنَى مُشْتَرَكٌ، إِذِ الْكَافِرُ إِذَا آمَنَ، وَالْمُؤْمِنُ إِذَا تَابَ مُشْتَرِكَانِ فِي الْغُفْرَانِ وَمَا تَخَيَّلْتَ فِيهِ مَغْفِرَةَ بَعْضِ الذُّنُوبِ فِي الْكَافِرِ الَّذِي آمَنَ هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْمُؤْمِنِ الَّذِي تَابَ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: أَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْكَشَّافِ الْمُرَادُ تَمْيِيزُ خِطَابِ الْمُؤْمِنِ مِنْ خِطَابِ الْكَافِرِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الطَّامَّاتِ، لِأَنَّ هَذَا التَّبْعِيضَ إِنْ حَصَلَ فَلَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِ هَذَا الْجَوَابِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ كَانَ هَذَا الْكَلَامُ فَاسِدًا.
وَقَالَ: إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، إِلَى وَقْتٍ قَدْ بَيَّنَّاهُ، أَوْ بَيَّنَّا مِقْدَارَهُ إِنْ آمَنْتُمْ، وَإِلَّا عَاجَلَكُمْ بِالْهَلَاكِ قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ انْتَهَى.
وَهَذَا بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِالْأَجَلَيْنِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي طَرْفٍ مِنْ هَذَا فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ فِي قَوْلِهِ: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) وَقِيلَ هُنَا: (وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) قَبْلَ الْمَوْتِ فَلَا يُعَاجِلُكُمْ بِالْعَذَابِ (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) لَا فَضْلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وَلَا فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْنَا، فَلِمَ تُخَصُّونَ بِالنُّبُوَّةِ دُونَنَا؟
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَلَوْ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَى الْبَشَرِ رُسَلًا لَجَعَلَهُمْ مِنْ جِنْسٍ أَفْضَلَ مِنْهُمْ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ انْتَهَى.
وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي تَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فِي قَوْلِهِمُ اسْتِبْعَادُ بِعْثَةِ الْبَشَرِ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: بَلْ أَرَادُوا إِحَالَتَهُ، وَذَهَبُوا مَذْهَبَ الْبَرَاهِمَةِ، أَوْ مَنْ يَقُولُ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ أَنَّ الْأَجْنَاسَ لَا يَقَعُ فِيهَا هَذَا الْقِيَاسُ.
فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ أَغْمَضُوا هَذَا الْإِغْمَاضَ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْتُ أَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْهُمْ حُجَّةً.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ طَلَبَهُمْ مِنْهُمُ السُّلْطَانَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى جِهَةِ التَّعْجِيزِ أَيْ: بَعْثَتُكُمْ مُحَالٌ، وَإِلَّا فَأَتُوا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ أَيْ: إِنَّكُمْ لَا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ أَبَدًا، فَتَقْوَى بِهَذَا الِاحْتِمَالِ مَنَحَاهُمْ إِلَى مَذْهَبِ الْفَلَاسِفَةِ انْتَهَى.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ طَلَبَهُمُ السُّلْطَانَ الْمُبِينَ وَقَدْ أَتَتْهُمُ الرُّسُلُ بِالْبَيِّنَاتِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ وَالِاقْتِرَاحِ، وَإِلَّا فَمَا أُتُوا بِهِ مِنَ الدَّلَائِلِ وَالْآيَاتِ كَافٍ لِمَنِ اسْتَبْصَرَ، وَلَكِنَّهُمْ قَلَّدُوا آبَاءَهُمْ فِيمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالِ.
أَلَا تَرَى إِلَى أَنَّهُمْ لَمَّا ذَكَرُوا أَنَّهُمْ مُمَاثِلُوهُمْ قَالُوا: (تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) أَيْ:
لَيْسَ مَقْصُودُكُمْ إِلَّا أَنْ نَكُونَ لَكُمْ تَبَعًا، وَنَتْرُكُ مَا نَشَأْنَا عَلَيْهِ مِنْ دِينِ آبَائِنَا.
وَقَرَأَ طَلْحَةُ: (أَنْ تَصُدُّونَّا) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، جَعَلَ (إِنْ) هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَقَدَّرَ فَصْلًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْفِعْلِ، وَكَانَ الْأَصْلُ أَنَّهُ تَصُدُّونَنَا، فَأَدْغَمَ نُونَ الرَّفْعِ فِي الضَّمِيرِ، وَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ أَنْ الثُّنَائِيَّةَ الَّتِي تَنْصِبُ الْمُضَارِعَ، لَكِنَّهُ هُنَا لَمْ يُعْمِلْهَا بَلْ أَلْغَاهَا، كَمَا أَلْغَاهَا مَنْ قَرَأَ (لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ) بِرَفْعِ (يُتِمُّ) حَمَلًا عَلَى (مَا) الْمَصْدَرِيَّةِ أختها.