فهرس الكتاب

الصفحة 3835 من 4059

{قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ(89)}

أَيْ: مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فِي الصِّغَرِ، وَإِذَايَةِ بِنْيَامِينَ بَعْدَ مَغِيبِ يُوسُفَ؟ وَكَانُوا يُذِلُّونَهُ وَيَشْتُمُونَهُ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَنَسَبَهُمْ إِمَّا إِلَى جَهْلِ الْمَعْصِيَةِ، وَإِمَّا إِلَى جَهْلِ السيئات وَقِلَّةِ الْحُنْكَةِ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَتَاهُمْ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ وَكَانَ حَلِيمًا مُوَفَّقًا، فَكَلَّمَهُمْ مُسْتَفْهِمًا عَنْ مَعْرِفَةِ وَجْهِ الْقُبْحِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُرَاعِيَهُ التَّائِبُ فَقَالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ قُبْحَ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ لَا تَعْلَمُونَ قُبْحَهُ، فَلِذَلِكَ أَقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ يَعْنِي: هَلْ عَلِمْتُمْ قُبْحَهُ فَتُبْتُمْ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ؟ لِأَنَّ عِلْمَ الْقُبْحِ يَدْعُو إِلَى الِاسْتِقْبَاحِ، وَالِاسْتِقْبَاحُ يَجُرُّ التَّوْبَةَ، فَكَانَ كَلَامُهُ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ وَتَنَصُّحًا لَهُمْ فِي الدِّينِ، وَإِيثَارًا لِحَقِّ اللَّهِ عَلَى حَقِّ نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ الَّذِي يَتَنَفَّسُ فِيهِ الْمَكْرُوبُ وَيَنْفُثُ الْمَصْدُورُ وَيَشْتَفِي الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ وَيُدْرِكُ ثَأْرَهُ الْمُوتُورَ، فَلِلَّهِ أَخْلَاقُ الْأَنْبِيَاءِ مَا أَوْطَاهَا وَأَسْجَحَهَا، وَلِلَّهِ حَصَى عُقُولِهِمْ مَا أَرْزَنَهَا وَأَرْجَحَهَا انْتَهَى!

وَقِيلَ: لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الْعِلْمِ عَنْهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عُلَمَاءَ، وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا فَعَلُوا مَا لَا يَقْتَضِيهِ الْعِلْمُ، وَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ إِلَّا جَاهِلٌ سَمَّاهُمْ جَاهِلِينَ.

وَفِي التَّحْرِيرِ مَا لُخِّصَ مِنْهُ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَ الْجُمْهُورِ: (هَلْ عَلِمْتُمْ) اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ التَّقْرِيعُ وَالتَّوْبِيخُ، وَمُرَادُهُ تَعْظِيمُ الْوَاقِعَةِ أَيْ: مَا أَعْظَمَ مَا ارْتَكَبْتُمْ مِنْ يُوسُفَ. كَمَا يُقَالُ: هَلْ تَدْرِي مَنْ عَصَيْتَ؟

وَقِيلَ: (هَلْ) بِمَعْنَى (قَدْ) لِأَنَّهُمْ كانوا عالمين، وفعلتم بِيُوسُفَ إِفْرَادُهُ مِنْ أَبِيهِمْ، وَقَوْلُهُمْ: بِأَنَّ الذِّئْبَ أَكَلَهُ، وَإِلْقَاؤُهُ فِي الْجُبِّ وَبَيْعُهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ إِنْ كَانُوا هُمُ الَّذِينَ بَاعُوهُ، وَقَوْلُهُمْ: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ، وَالَّذِي فَعَلُوا بِأَخِيهِ أَذَاهُمْ لَهُ وَجَفَاؤُهُمْ لَهُ، وَاتِّهَامُهُ بِسَرِقَةِ الصَّاعِ، وَتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ سَرَقَ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ مَا إِذْ وَاجَهَ أَبَاهُمْ تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ وَتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ أَنْ يَذْكُرَهُ مَعَ نَفْسِهِ وَأَخِيهِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ: جَاهِلُونَ صِبْيَانٌ.

وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مُذْنِبُونَ.

وَقِيلَ: جَاهِلُونَ بِمَا يَجِبُ مِنْ بَرِّ الْأَبِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَتَرْكِ الْهَوَى.

وَقِيلَ: جاهلون بِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْرُ يُوسُفَ.

وَقِيلَ: جَاهِلُونَ بِالْفِكْرِ فِي الْعَاقِبَةِ، وَعَدَمِ النَّظَرِ إِلَى الْمَصْلَحَةِ.

وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: وَغَرَضُ يُوسُفَ تَوْبِيخُ إِخْوَتِهِ وَتَأْنِيبِهِمْ عَلَى مَا فَعَلُوا فِي حَقِّ أَبِيهِمْ وَفِي حَقِّ أَخَوَيْهِمْ.

قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ تَأْنِيسًا لِقُلُوبِهِمْ، وَبَسْطِ عُذْرٍ كَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا أُقَدِّمُكُمْ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ الْقَبِيحِ جَهَالَةَ الصِّبَا أَوِ الْغُرُورِ، وَكَأَنَّهُ لَقَّنَهُمُ الْحُجَّةَ كَقَوْلِهِ: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)

وَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْهَيْصَمِ فِي قِصَّةٍ مِنْ أَنَّهُ صَلَبَهُمْ، وَالثَّعْلَبِيُّ فِي حِكَايَتِهِ أَنَّهُ غَضِبَ عَلَيْهِمْ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ فَبَكَوْا وَجَزِعُوا، فَرَقَّ لَهُمْ وَقَالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ الْآيَةَ، لَا يَصِحُّ ألْبَتَّةَ، وَكَانَ يُوسُفُ مِنْ أَرَقِّ خَلْقِ اللَّهِ وَأَشْفَقَهُمْ عَلَى الْأَجَانِبِ، فَكَيْفَ مَعَ إِخْوَتِهِ؟!! وَلَمَّا اعْتَرَفُوا بِالْخَطَأِ قَالَ: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ) الْآيَة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت