فهرس الكتاب

الصفحة 2591 من 4059

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (106) }

رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ وَعْدِيٌّ يَخْتَلِفَانِ إِلَى مَكَّةَ فَخَرَجَ مَعَهُمَا فَتًى مِنْ بَنِي سَهْمٍ فَتُوفِّيَ بِأَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا مُسْلِمٌ فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا فَدَفَعَا تَرِكَتَهُ إِلَى أَهْلِهِ وَحَبَسَا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مَخُوصًا بِالذَّهَبِ فَاسْتَحْلَفَهُمَا.

وَفِي رِوَايَةٍ فَحَلَّفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ النبي صلى الله عليه وَسَلَّمَ «مَا كَتَمْتُمَا وَلَا اطَّلَعْتُمَا» ثُمَّ وُجِدَ الْجَامُ بِمَكَّةَ فَقَالُوا اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ عَدِيٍّ وَتَمِيمٍ فَجَاءَ الرَّجُلَانِ مِنْ وَرَثَةِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفَا أَنَّ هَذَا الْجَامَ لِلسَّهْمِيِّ وَلَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وما اعتدينا قال: فأخذ الْجَامَ وَفِيهِمْ نَزَلَتِ الْآيَةُ.

قِيلَ وَالسَّهْمِيُّ هُوَ مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ يُقَالُ لَهُ بديل بن أبي مريم وَأَنَّ جَامَ الْفِضَّةِ كَانَ يُرِيدُ بِهِ الْمَلِكَ وَهُوَ أَعْظَمُ تِجَارَاتِهِ وَأَنَّ عَدِيًّا وَتَمِيمًا بَاعَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَاقْتَسَمَاهَا.

وَقِيلَ اسْمُهُ بَدِيلُ بْنُ أَبِي مَارِيَةَ مَوْلَى الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ وَأَنَّهُ خَرَجَ مُسَافِرًا فِي الْبَحْرِ إِلَى أَرْضِ النَّجَاشِيِّ. وَأَنَّ إِنَاءَ الْفِضَّةِ كَانَ وَزْنُهُ ثَلَاثَمِائَةِ مِثْقَالٍ وَكَانَ مُمُوَّهًا بِالذَّهَبِ قَالَ فَقَدِمُوا الشَّامَ، فَمَرِضَ بَدِيلٌ وَكَانَ مُسْلِمًا الْحَدِيثَ.

وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ أَنَّ وَرَثَةَ بُدَيْلٍ قَالُوا لَهُمَا أَلَسْتُمَا زَعَمْتُمَا أَنَّ صَاحِبَنَا لَمْ يَبِعْ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ، فَمَا بَالُ هَذَا الْإِنَاءِ مَعَكُمَا وَهُوَ مِمَّا خَرَجَ صَاحِبُنَا بِهِ وَقَدْ حَلَفْتُمَا عَلَيْهِ قَالَا إِنَّا كُنَّا ابْتَعْنَاهُ مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا عَلَيْهِ بينة فكر هنا أَنْ نُقِرَّ لَكُمْ فَتَأْخُذُوهُ مِنَّا وَتَسْأَلُوا عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْهَا فَرَفَعُوهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ. انْتَهَى.

وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ تَمِيمٌ فَلَمَّا أَسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ تَأَثَّمْتُ مِنْ ذَلِكَ فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ وَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَبَرَ وَأَدَّيْتُ لَهُمْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَأَخْبَرْتُهُمْ أَنَّ عِنْدَ صَاحِبِي مِثْلَهَا فَأَتَوْا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُمُ الْبَيِّنَةَ فَلَمْ يَجِدُوا مَا أُمِرُوا بِهِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِمَا يُقْطَعُ بِهِ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ فَحَلَفَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: (بَعْدَ أَيْمانِهِمْ فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْهُمْ فَحَلَفَا فَنُزِعَتِ الْخَمْسُمِائَةِ مِنْ يَدِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ وَزَادَ الْوَاقِدِيُّ فِي حَدِيثِهِ أَنَّ تَمِيمًا وَعَدِيًّا كَانَا أَخَوَيْنِ وَيَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُمَا أَخَوَانِ لِأُمٍّ وَأَنَّ بُدَيْلًا كَتَبَ وَصِيَّتَهُ بِيَدِهِ وَدَسَّهَا فِي مَتَاعِهِ، وَأَوْصَى إِلَى تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ أَنْ يُؤَدِّيَا رَحْلَهُ وَأَنَّ الرَّسُولَ اسْتَحْلَفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَأَنَّهُ حَلَّفَ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَالْمُطَّلِبَ بْنَ أَبِي وَدَاعَةَ.

وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذَا السَّبَبَ مُخْتَصَرًا مُجَرَّدًا فَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ بُدَيْلَ بْنَ أَبِي مَرْيَمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَأَنَّهُ كَتَبَ كِتَابًا فِيهِ مَا مَعَهُ وَطَرَحَهُ فِي مَتَاعِهِ وَلَمْ يُخْبِرْ بِهِ صَاحِبَيْهِ فَأَصَابَ أَهْلُ بُدَيْلٍ الصَّحِيفَةَ فَطَالَبُوهُمَا بِالْإِنَاءِ فَجَحَدُوا فَرُفِعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَلَمْ يَصِحَّ لِعَدِيٍّ صُحْبَةٌ فِيمَا عَلِمْتُ وَلَا ثَبَتَ إِسْلَامُهُ وَقَدْ عَدَّهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الصَّحَابَةِ.

وَقَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: هَذِهِ الْآيَاتُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعَانِي مِنْ أَشْكَلِ مَا فِي الْقُرْآنِ إِعْرَابًا وَمَعْنًى وَحُكْمًا.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَهَذَا كَلَامُ مَنْ لَمْ يَقَعْ لَهُ الثَّلَجُ فِي تَفْسِيرِهَا وَذَلِكَ بَيِّنٌ مِنْ كِتَابِهِ انْتَهَى.

وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنَ الْأَئِمَّةِ تَخَلَّصَ كَلَامُهُ فِيهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا انْتَهَى.

وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا هِيَ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) كَانَ فِي ذَلِكَ تَنْفِيرٌ عَنْ الضَّلَالِ وَاسْتِبْعَادٌ عَنْ أَنْ يُنْتَفَعَ بِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ شَهَادَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَأَخْبَرَ تَعَالَى بِمَشْرُوعِيَّةِ شَهَادَتِهِمْ أَوِ الْإِيصَاءِ إِلَيْهِمْ فِي السَّفَرِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.

وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيُّ لَمَّا نَزَلَتِ السُّورَةُ بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ وَتَرْكِ الْخِيَانَاتِ انْجَرَّ الْكَلَامُ إِلَى هَذَا.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ (شَهادَةُ بَيْنِكُمْ) بِالرَّفْعِ وَإِضَافَةِ (شَهادَةُ) إِلَى (بَيْنِكُمْ) وَقَرَأَ الشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ وَالْأَعْرَجُ (شَهادَةٌ بَيْنَكُمْ) بِرَفْعِ شَهَادَةٌ وَتَنْوِينِهِ.

وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَالْحَسَنُ أَيْضًا (شَهادَةً) بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِينِ وَرُوِيَ هَذَا عَنِ الأعرج وأبي حيوة و (بَيْنِكُمْ) فِي هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ مَنْصُوبٌ على الظرف.

وَالتَّقْدِيرُ فِي الْآيَةِ يَشْهَدُ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ اثْنَانِ، وَالشَّهَادَةُ هُنَا هَلْ هِيَ الَّتِي تُقَامُ بِهَا الْحُقُوقُ عِنْدَ الْحُكَّامِ أَوِ الْحُضُورُ أَوِ الْيَمِينُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ آخِرُهَا لِلطَّبَرِيِّ وَالْقَفَّالِ كَقَوْلِهِ: (فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ) وَقِيلَ تَأْتِي الشَّهَادَةُ بمعنى الْإِقْرَارِ نَحْوَ قَوْلِهِ: (وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ) وَبِمَعْنَى الْعِلْمِ نَحْوَ قَوْلِهِ: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ) وَبِمَعْنَى الْوَصِيَّةِ وَخُرِّجَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ.

(ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ)

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (مِنْكُمْ) مِنْ أَقَارِبِكُمْ ومِنْ غَيْرِكُمْ مِنَ الْأَجَانِبِ

(إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) يَعْنِي إِنْ وَقَعَ الْمَوْتُ فِي السَّفَرِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَكُمْ أَحَدٌ مِنْ عَشِيرَتِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا أَجْنَبِيَّيْنِ عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَجَعَلَ الْأَقَارِبَ أَوْلَى لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِأَحْوَالِ الْمَيِّتِ وَبِمَا هُوَ أَصْلَحُ وَهُمْ لَهُ أَنْصَحُ.

وَقِيلَ (مِنْكُمْ) مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا جَازَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَتَعَذُّرِ وَجُودِهِمْ فِي حَالِ السَّفَرِ، وَعَنْ مَكْحُولٍ نَسَخَهَا قَوْلُهُ: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) انْتَهَى.

وَمَا اخْتَارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَبَدَأَ بِهِ أَوَّلًا هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ قَالُوا أَمَرَ اللَّهُ بِإِشْهَادِ عَدْلَيْنِ مِنَ الْقَرَابَةِ إِذْ هُمْ أَحَقُّ بِحَالِ الْوَصِيَّةِ وَأَدْرَى بِصُورَةِ الْعَدْلِ فِيهَا فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِي سَفَرٍ وَلَمْ تَحْضُرْ قَرَابَةٌ أَسْنَدَهَا إِلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْأَجَانِبِ.

وَهَذَا الْقَوْلُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ حَتَّى ابْنُ عَطِيَّةَ قَالَ لَا نَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ سَبَبَ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ وَعَدِيَّ بْنَ زِيَادٍ كَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ وَسَاقَا الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ أَوَّلًا فَهَذَا الْقَوْلُ مُخَالِفٌ لِسَبَبِ النُّزُولِ.

وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي الَّذِي حَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ [فقيل] : مَعْنَى قَوْلِهِ: (مِنْكُمْ) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَعْنَى مِنْ غَيْرِكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ.

قَالَ بَعْضُهُمْ وَذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ نزلت ولا يؤمن إِلَّا بِالْمَدِينَةِ وَكَانُوا يُسَافِرُونَ بِالتِّجَارَةِ صُحْبَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَأَنْوَاعِ الْكُفَّارِ وَمَذْهَبُ أَبِي مُوسَى وُشُرَيْحٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ.

قَالَ أَحْمَدُ: شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ جَائِزَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي السَّفَرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُسْلِمِينَ وَرَجَّحَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ هَذَا الْقَوْلَ قال: قَوْلُهُ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا قَالَ: (أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) كَانَ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ لَا مَحَالَةَ وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْآخَرَانِ مُسْلِمَيْنِ لَمْ يَكُنْ جَوَازُ الِاسْتِشْهَادِ بِهِمَا مَشْرُوطًا بِالسَّفَرِ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ جَائِزٌ اسْتِشْهَادُهُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَبِأَنَّهُ دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى وُجُوبِ الْحَلِفِ مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ لا يجب تَحْلِيفُهُ فَعَلِمْنَا أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَبِسَبَبِ النُّزُولِ وَهُوَ شَهَادَةُ النَّصْرَانِيَّيْنِ عَلَى بُدَيْلٍ وَكَانَ مُسْلِمًا وَبِأَنَّ أَبَا مُوسَى قَضَى بِشَهَادَةِ يَهُودِيَّيْنِ بَعْدَ أَنْ حَلَّفَهُمَا وَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا وَبِاتِّفَاقِ أَكْثَرِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ وَلَيْسَ فِيهَا مَنْسُوخٌ.

وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّالِثُ الَّذِي حَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَهُوَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَحَكَاهُ عَنْ مَكْحُولٍ، فَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَالنَّخَعِيِّ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ خَالَفَهُمْ فَقَالَ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الْكُفَّارِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ،

وَالنَّاسِخُ قَوْلَهُ: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ) وَقَوْلُهُ: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) وَزَعَمُوا أَنَّ آيَةَ الدَّيْنِ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ (أَوْ) لِلتَّخْيِيرِ وَقَالَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فَمَنْ جَعَلَ قَوْلَهُ (مِنْ غَيْرِكُمْ) أي من غير عَشِيرَتِكُمْ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَسْتَشْهِدَ أَقَارِبَهُ أَوِ الْأَجَانِبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ (مِنْ غَيْرِكُمْ) أَيْ مِنَ الْكُفَّارِ فَاخْتَلَفُوا. فَقِيلَ غَيْرِكُمْ يَعْنِي بِهِ أَهْلَ الْكِتَابِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَقِيلَ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ (مِنْ غَيْرِكُمْ)

وَقِيلَ (أَوْ) لِلتَّرْتِيبِ إِذَا كَانَ قَوْلُهُ (مِنْ غَيْرِكُمْ) يَعْنِي بِهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ فَالتَّقْدِيرُ إِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ مِلَّتِكُمْ.

(إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ)

هَذَا الْتِفَاتٌ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ وَلَوْ جَرَى عَلَى لَفْظِ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ لَكَانَ التَّرْكِيبُ إِنْ هُوَ ضَرَبَ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْهُ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا جَاءَ الِالْتِفَاتُ جَمْعًا لِأَنَّ قَوْلَهُ (أَحَدَكُمُ) مَعْنَاهُ إِذَا حَضَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمُ الْمَوْتُ، وَالْمَعْنَى إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْأَرْضِ لِمَصَالِحِكُمْ وَمَعَايِشِكُمْ.

وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّ اسْتِشْهَادَ آخَرَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مَشْرُوطٌ بِالسَّفَرِ فِي الْأَرْضِ وَحُضُورِ عَلَامَاتِ الْمَوْتِ.

(تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ)

الْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا مَوْضِعُ تَحْبِسُونَهُما؟

(قُلْتُ) هُوَ اسْتِئْنَافُ كَلَامٍ كَأَنَّهُ قِيلَ بَعْدَ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِيهِمَا فكيف إن ارتبنا فَقِيلَ: تَحْبِسُونَهُما، وَمَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الِاسْتِئْنَافِ أَظْهَرُ مِنَ الْوَصْفِ لِطُولِ الْفَصْلِ بِالشَّرْطِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمَوْصُوفِ وَصِفَتِهِ. وَإِنَّمَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِيهِمَا لِأَنَّهُ اخْتَارَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ مَعْنَاهُ أَوْ عَدْلَانِ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِ الْقَرَابَةِ وَتَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ أبي علي أن الْعُدُولَ إِلَى آخَرَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْمِلَّةِ أَوِ الْقَرَابَةِ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ ضَرُورَةِ السَّفَرِ وَحُلُولِ الْمَوْتِ فِيهِ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ، فَظَهَرَ مِنْهُ أَنَّ تَقْدِيرَ جَوَابِ الشَّرْطِ هُوَ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ فَاسْتَشْهِدُوا آخَرَيْنِ مِنْ غَيْرِكُمْ أَوْ فَالشَّاهِدَانِ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّرْطَ قَيْدٌ فِي شَهَادَةِ اثْنَيْنِ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ آخَرَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ مَشْرُوعِيَّةُ الْوَصِيَّةِ لِلضَّارِبِ فِي الْأَرْضِ الْمُشَارِفِ عَلَى الْمَوْتِ أَنْ يُشْهِدَ اثْنَيْنِ، وَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْجَوَابِ: إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ فَاسْتَشْهِدُوا اثْنَيْنِ إِمَّا مِنْكُمْ وَإِمَّا مِنْ غَيْرِكُمْ، وَلَا يَكُونُ الشَّرْطُ إِذْ ذَاكَ قَيْدًا فِي آخَرَيْنِ مِنْ غَيْرِنَا فَقَطْ، بَلْ هُوَ قَيْدٌ فِيمَنْ ضَرَبَ فِي الْأَرْضِ وَشَارَفَ الْمَوْتَ فَيَشْهَدُ اثْنَانِ مِنَّا أَوْ مِنْ غَيْرِنَا.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ وَقَدِ اسْتَشْهَدْتُمُوهُمَا عَلَى الْإِيصَاءِ.

وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ تَقْدِيرُهُ وَقَدْ أَوْصَيْتُمْ.

قِيلَ وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَحْلِفُ وَالْمُوصَى يَحْلِفُ.

وَمَعْنَى (تَحْبِسُونَهُما) تَسْتَوْثِقُونَهُمَا لِلْيَمِينِ وَالْخِطَابُ لِمَنْ يَلِي ذَلِكَ مِنْ وُلَاةِ الْإِسْلَامِ، وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ عَائِدٌ فِي قَوْلٍ عَلَى آخَرَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَظَاهِرُ عَوْدِهِ عَلَى اثْنَيْنِ مِنَّا أَوْ مِنْ غَيْرِنَا سَوَاءٌ كَانَا وَصِيَّيْنِ أَوْ شَاهِدَيْنِ.

وَظَاهِرُ قَوْلِهِ (مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ) أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلْجِنْسِ أَوْ مِنْ بَعْدِ أَيِّ صَلَاةٍ، وَقَدْ قِيلَ بِهَذَا الظَّاهِرِ وَخَصَّ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِصَلَاةِ دِينِهِمَا وَذَلِكَ تَغْلِيظٌ فِي الْيَمِينِ.

وَقَالَ الْحَسَنُ بَعْدَ الْعَصْرِ أَوِ الظُّهْرِ لِأَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ كَانُوا يَقْعُدُونَ لِلْحُكُومَةِ بَعْدَهُمَا.

وَقَالَ الْجُمْهُورُ هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ لِأَنَّهُ وَقْتُ اجْتِمَاعِ النَّاسِ وَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَحْلَفَ عَدِيًّا وَتَمِيمًا بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَرُجِّحَ هذا القول بفعله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وَبِقَوْلِهِ فِي الصَّحِيحِ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» .

وَبِأَنَّ التَّحْلِيفَ كَانَ مَعْرُوفًا بَعْدَهُمَا فَالتَّقْيِيدُ بِالْمَعْرُوفِ يُغْنِي عَنِ التَّقْيِيدِ بِاللَّفْظِ وَبِأَنَّ جَمِيعَ الْأَدْيَانِ يُعَظِّمُونَ هَذَا الْوَقْتَ وَيَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ فَتَكُونُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي هَذَا الْقَوْلِ لِلْعَهْدِ وَكَذَا فِي قَوْلِ الْحَسَنِ.

(فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ)

ظَاهِرُهُ تَقْيِيدُ حَلِفِهِمَا بِوُجُودِ الِارْتِيَابِ فَمَتَى لَمْ تُوجَدِ الرِّيبَةُ فَلَا تَحْلِيفَ.

وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ تَحْلِيفُ أَبِي مُوسَى لِلْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ اسْتَشْهَدَهُمَا مُسْلِمٌ تُوُفِّيَ عَلَى وَصِيَّتِهِ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَتْ رِيبَةٌ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ ذَلِكَ الْمُسْلِمِ.

وَالْمَعْنَى إِنِ ارْتَبْتُمْ فِي شَأْنِهِمَا وَاتَّهَمْتُمُوهُمَا فَحَلِّفُوهُمَا.

وَقِيلَ إِنْ أُرِيدَ بِهِمَا الشَّاهِدَانِ، فَقَدْ نُسِخَ تَحْلِيفُ الشَّاهِدَيْنِ وَإِنْ أُرِيدَ الْوَصِيَّانِ فَلَيْسَ بِمَنْسُوخٍ تَحْلِيفُهُمَا

وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُحَلِّفُ الشَّاهِدَ وَالرَّاوِيَ إذا اتهمها.

وَالضَّمِيرُ فِي (بِهِ) عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ أَوْ عَلَى الْقَسَمِ أَوْ عَلَى تَحْرِيفِ الشَّهَادَةِ، أَقْوَالٌ ثَالِثُهَا لِأَبِي عَلِيٍّ.

وَقَوْلُهُ: (نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا) كِنَايَةٌ عَنِ الِاسْتِبْدَالِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ ذَا ثَمَنٍ لِأَنَّ الثَّمَنَ لَا يَشْتَرِي وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لَا نَشْتَرِي لَا نَبِيعُ هُنَا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي اللُّغَةِ.

قال الزمخشري أن لَا نَحْلِفُ بِاللَّهِ كَاذِبِينَ لِأَجْلِ الْمَالِ وَلَوْ كَانَ مَنْ نُقْسِمُ لِأَجْلِهِ قَرِيبًا مِنَّا وَذَلِكَ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي صِدْقِهِمْ وَأَمَانَتِهِمْ أَبَدًا فَإِنَّهُمْ دَاخِلُونَ تَحْتَ قَوْلِهِ: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)

وَإِنَّمَا قَالَ فَإِنَّهُمْ دَاخِلُونَ إِلَى آخِرِهِ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ وَالْآخَرَيْنِ عِنْدَهُ مُؤْمِنُونَ فَانْدَرَجُوا فِي قَوْلُهُ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ) الْآيَة.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَخَصَّ ذَا الْقُرْبَى بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْعُرْفَ مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى أَقْرِبَائِهِمْ وَاسْتِسْهَالُهُمْ فِي جَنْبِ نَفْعِهِمْ مَا لَا يُسْتَسْهَلُ وَالْجُمْلَةُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ) مَعْطُوفَةٌ عَلَى قَوْلِهِ: (لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا) فَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وَأَضَافَ الشَّهَادَةَ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْآمِرُ بِإِقَامَتِهَا النَّاهِي عَنْ كِتْمَانِهَا.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ (وَلا نَكْتُمُ) خَبَرًا مِنْهُمَا أَخْبَرَا عَنْ أَنْفُسِهِمَا أَنَّهُمَا لَا يَكْتُمَانِ شَهَادَةَ اللَّهِ وَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت