(اشْتَرَوْا) هُنَا: بِمَعْنَى بَاعُوا، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ قَالَ: شَرَى وَاشْتَرَى: بِمَعْنَى بَاعَ، هَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ.
وَفِي الْمُنْتَخَبِ إِنَّ الِاشْتِرَاءَ هُنَا عَلَى بَابِهِ، لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ، إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْعِقَابِ، أَتَى بِأَعْمَالٍ يَظُنُّ أَنَّهَا تُخَلِّصُهُ، وَكَأَنَّهُ قَدِ اشْتَرَى نَفْسَهُ بِهَا. فَهَؤُلَاءِ الْيَهُودُ لَمَّا اعْتَقَدُوا فِيمَا أَتَوْا بِهِ أَنَّهُ يُخَلِّصُهُمْ، ظَنُّوا أَنَّهُمُ اشْتَرَوْا أَنْفُسَهُمْ، فَذَمَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ. قَالَ: وَهَذَا الْوَجْهُ أَقْرَبُ إِلَى الْمَعْنَى وَاللَّفْظِ مِنَ الْأَوَّلِ، يَعْنِي بِالْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى بَاعَ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُنْتَخَبِ، يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ المراد ليس اشتراؤهم أَنْفُسَهُمْ بِالْكُفْرِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَخْلُصُونَ مِنَ الْعِقَابِ، بَلْ ذَلِكَ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْبَغْيِ وَالْحَسَدِ، لِكَوْنِهِ تَعَالَى جَعَلَ ذَلِكَ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَاتَّضَحَ أَنَّ قَوْلَ الْجُمْهُورِ أَوْلَى.
(وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ)
الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْكَافِرِينَ لِلْعَهْدِ، وَأَقَامَ الْمُظْهَرَ مُقَامَ الْمُضْمَرِ إِشْعَارًا بِعِلَّةِ كَوْنِ الْعَذَابِ الْمُهِينِ لَهُمْ، إِذْ لَوْ أَتَى، وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى الْعِلَّةِ، أَوْ تَكُونُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعُمُومِ، فَيَنْدَرِجُونَ فِي الْكَافِرِينَ. وَوَصَفَ الْعَذَابَ بِالْإِهَانَةِ، وَهِيَ الْإِذْلَالُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) .
وَجَاءَ فِي الصَّحِيحِ، فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ، وَقَدْ ذَكَرَ أَشْيَاءَ مُحَرَّمَةً فَقَالَ: «فَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ» .
فَهَذَا الْعَذَابُ إِنَّمَا هُوَ لِتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ، أَوْ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْخُلُودَ خُلُودًا لَا يَنْقَطِعُ، أَوْ لِشِدَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ جَزَاءٌ عَلَى تَكَبُّرِهِمْ عن اتباع الْحَقِّ.
وَقَدِ احْتَجَّ الْخَوَارِجُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ كَافِرٌ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ تَعْذِيبُهُ، وَاحْتَجَّ بِهَا الْمُرْجِئَةُ عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ لَا يُعَذَّبُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَافِرٍ.