(وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ)
هَذَا الْتِفَاتٌ مِنْ غَيْبَةٍ إِلَى خِطَابٍ لِأَنَّ قبله و: يسألونك، فَالْوَاوُ ضَمِيرٌ لِلْغَائِبِ، وَحِكْمَةُ هَذَا الِالْتِفَاتِ مَا فِي الْإِقْبَالِ بِالْخِطَابِ عَلَى الْمُخَاطَبِ لِيَتَهَيَّأَ لِسَمَاعِ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ وَقَبُولِهِ وَالتَّحَرُّزِ فِيهِ، فَالْوَاوُ ضَمِيرُ الْكُفَلَاءِ، وَهُمْ ضَمِيرُ الْيَتَامَى، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَنْظُرُوا لَهُمْ كَمَا تَنْظُرُونَ لِإِخْوَانِكُمْ مِنَ النَّسَبِ مِنَ الشَّفَقَةِ وَالتَّلَطُّفِ وَالْإِصْلَاحِ لِذَوَاتِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
وَالْمُخَالَطَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْخَلْطِ وَهُوَ الِامْتِزَاجُ، وَالْمَعْنَى: فِي الْمَأْكَلِ، فَتُجْعَلُ نَفَقَةُ الْيَتِيمِ مَعَ نَفَقَةِ عِيَالِهِ بِالتَّحَرِّي، إِذْ يَشُقُّ عَلَيْهِ إِفْرَادُهُ وَحْدَهُ بِطَعَامِهِ، فَلَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ خَلْطِهِ بِمَالِهِ لِعِيَالِهِ، فَجَاءَتِ الْآيَةُ بِالرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ، قاله أبو عبيد. أو: الْمُشَارَكَةُ فِي الْأَمْوَالِ وَالْمُتَاجَرَةُ لَهُمْ فِيهَا، فَتَتَنَاوَلُونَ مِنَ الرِّبْحِ مَا يَخْتَصُّ بِكُمْ، وَتَتْرُكُونَ لَهُمْ مَا يَخْتَصُّ بِهِمْ. أَوِ: الْمُصَاهَرَةُ فَإِنْ كَانَ الْيَتِيمُ غُلَامًا زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ، أَوْ جَارِيَةً زَوَّجَهَا ابْنَهُ، وَرُجِّحَ هَذَا الْقَوْلَ بِأَنَّ هَذَا خِلْطَةٌ لِلْيَتِيمِ نَفْسِهِ، وَالشَّرِكَةُ خِلْطَةٌ لِمَالِهِ، وَلِأَنَّ الشَّرِكَةَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ: (قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الْخَلْطُ مِنْ جِهَةِ النِّكَاحِ، فَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا الْخَلْطِ أَقْرَبُ.
وَجَوَابُ الشَّرْطِ: فَإِخْوَانُكُمْ، وَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ.
وَقَرَأَ أَبُو مِجْلَزٍ: فَإِخْوَانُكُمْ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلِ التَّقْدِيرِ: فَتُخَالِطُونَ إِخْوَانَكُمْ، وَجَاءَ جَوَابُ السُّؤَالِ بِجُمْلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: مُنْعَقِدَةٌ مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ وَالثَّانِيَةُ: مِنْ شَرْطٍ وَجَزَاءٍ.
فَالْأُولَى: تَتَضَمَّنُ إِصْلَاحَ الْيَتَامَى وَأَنَّهُ خَيْرٌ، وَأُبْرِزَتْ ثُبُوتِيَّةً مُنَكَّرًا مُبْتَدَأُهَا لِيَدُلَّ عَلَى تَنَاوُلِهِ كُلَّ إِصْلَاحٍ عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِيَّةِ، وَلَوْ أُضِيفَ لَعَمَّ، أَوْ لَكَانَ مَعْهُودًا فِي إِصْلَاحٍ خَاصٍّ، فَالْعُمُومُ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ، وَالْمَعْهُودُ لَا يُتَنَاوَلُ غَيْرُهُ، فَلِذَلِكَ جَاءَ التَّنْكِيرُ الدَّالُّ عَلَى عُمُومِ الْبَدَلِ، وَأَخْبَرَ عَنْهُ: بخير، الدَّالِّ عَلَى تَحْصِيلِ الثَّوَابِ، ليبادر الْمُسْلِمِ إِلَى فِعْلِ مَا فِيهِ الْخَيْرُ طَلَبًا لِثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأُبْرِزَتِ الثَّانِيَةُ: شَرْطِيَّةً لِأَنَّهَا أَتَتْ لِجَوَازِ الْوُقُوعِ لَا لِطَلَبِهِ وَنَدْبَتِهِ.
وَدَلَّ الْجَوَابُ الْأَوَّلُ عَلَى ضُرُوبٍ مِنَ الْأَحْكَامِ مِمَّا فِيهِ مَصْلَحَةُ الْيَتِيمِ، لِجَوَازِ تَعْلِيمِهِ أَمْرَ دِينٍ وَأَدَبٍ، وَالِاسْتِيجَارُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، وَقَبُولِ مَا يُوهَبُ لَهُ، وَتَزْوِيجِهِ وَمُؤَاجَرَتِهِ، وَبَيْعِهِ مَالَهُ لِلْيَتِيمِ، وَتَصَرُّفِهِ فِي مَالِهِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَفِي عَمَلِهِ فِيهِ بِنَفْسِهِ مُضَارَبَةً، وَدَفْعِهِ إِلَى غَيْرِهِ مُضَارَبَةً، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الْمَنُوطَةِ بِالْإِصْلَاحِ.
وَدَلَّ الْجَوَابُ الثَّانِي عَلَى جَوَازِ مُخَالَطَةِ الْيَتَامَى بِمَا فِيهِ إِصْلَاحٌ لَهُمْ، فَيَخْلِطُهُ بِنَفْسِهِ فِي مَنَاكِحِهِ وَمَالِهِ بِمَالِهِ فِي مَؤُونَةٍ وَتِجَارَةٍ وَغَيْرِهِمَا.
قِيلَ: وَقَدِ انْتَظَمَتِ الْآيَةُ عَلَى جَوَازِ الْمُخَالَطَةِ، فَدَلَّتْ عَلَى جَوَازِ الْمُنَاهَدَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا الْمُسَافِرُونَ فِي الْأَسْفَارِ، وَهِيَ أَنَّ يُخْرِجَ هَذَا شَيْئًا مِنْ مَالِهِ، وَهَذَا شَيْئًا مِنْ مَالِهِ فَيُخْلَطُ وَيُنْفَقُ وَيَأْكُلُ النَّاسُ، وَإِنِ اخْتَلَفَ مِقْدَارُ مَا يَأْكُلُونَ، وَإِذَا أُبِيحَ لَكَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ فَهُوَ فِي مَالِ الْبَالِغِ بِطِيبِ نَفْسِهِ أَجْوَزُ.
قِيلَ: وَجَعَلَهُمْ إِخْوَانًا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أُخُوَّةُ الدِّينِ، وَالثَّانِي: لِانْتِفَاعِهِمْ بِهِمْ، إِمَّا فِي الثواب مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِمَّا بِمَا يَأْخُذُونَهُ مِنْ أُجْرَةِ عَمَلِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَكُلُّ مَنْ نَفَعَكَ فَهُوَ أَخُوكَ.
وَقَالَ الْبَاقِرُ لِشَخْصٍ: رَأَيْتُكَ فِي قَوْمٍ لَمْ أَعْرِفْهُمْ، فَقَالَ: هُمْ إِخْوَانِي، فَقَالَ: أَفِيهِمْ مَنْ إِذَا احْتَجْتَ أَدْخَلْتَ يَدَكَ فِي كُمِّهِ فَأَخَذْتَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: إِذَنْ لَسْتُمْ بِإِخْوَانٍ.
قِيلَ: وَفِي قَوْلِهِ: (فَإِخْوانُكُمْ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَطْفَالَ الْمُؤْمِنِينَ مُؤْمِنُونَ فِي الْأَحْكَامِ لِتَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ إِخْوَانًا لَنَا.
وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ جُمْلَةٌ مَعْنَاهَا التَّحْذِيرُ، أَخْبَرَ تَعَالَى فِيهَا أَنَّهُ عَالِمٌ بِالَّذِي يُفْسِدُ مِنَ الَّذِي يُصْلِحُ، وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُ يُجَازِي كُلًّا مِنْهُمَا عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي قَامَ بِهِ، وَكَثِيرًا مَا يُنْسَبُ الْعِلْمُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ التَّحْذِيرِ، لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ بِالشَّيْءِ جَازَى عَلَيْهِ، فَهُوَ تَعْبِيرٌ بِالسَّبَبِ عَنِ الْمُسَبِّبِ، وَ: يَعْلَمُ، هُنَا مُتَّعَدٍ إِلَى وَاحِدٍ، وَجَاءَ الْخَبَرُ هُنَا بِالْفِعْلِ الْمُقْتَضِي لِلتَّجَدُّدِ، وَإِنْ كَانَ عِلْمُ اللَّهِ لَا يَتَجَدَّدُ، لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ الْعِقَابَ وَالثَّوَابَ لِلْمُفْسِدِ وَالْمُصْلِحِ، وَهُمَا وَصْفَانِ يَتَجَدَّدَانِ مِنَ الْمَوْصُوفِ بِهِمَا، فَتَكَرَّرَ تَرْتِيبُ الْجَزَاءِ عَلَيْهِمَا لِتَكَرُّرِهِمَا، وَتَعَلَّقَ الْعَمَلُ بِالْمُفْسِدِ أَوَّلًا لِيَقَعَ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْإِفْسَادِ.
(إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
في وصفه تعالى بالعزة، وهو الْغَلَبَةُ وَالِاسْتِيلَاءُ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِذَلِكَ لَا يُشَارَكُ فِيهِ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ لَهُمْ وِلَايَةً عَلَى الْيَتَامَى نَبَّهَهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَقْهَرُونَهُمْ، وَلَا يُغَالِبُونَهُمْ، وَلَا يَسْتَوْلُونَ عَلَيْهِمُ اسْتِيلَاءَ الْقَاهِرِ، فَإِنَّ هَذَا الْوَصْفَ لا يكون إلّا لله.
وَفِي وَصْفِهِ تَعَالَى بِالْحِكْمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى مَا أَذِنَ هُوَ تَعَالَى فِيهِمْ وَفِي أَمْوَالِهِمْ، فَلَيْسَ لَكُمْ نَظَرٌ إِلَّا بِمَا أَذِنَتْ فِيهِ لَكُمُ الشَّرِيعَةُ، وَاقْتَضَتْهُ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ. إِذْ هُوَ الْحَكِيمُ الْمُتْقِنُ لِمَا صَنَعَ وَشَرَعَ، فَالْإِصْلَاحُ لَهُمْ لَيْسَ رَاجِعًا إِلَى نَظَرِكُمْ، إِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ لِاتِّبَاعِ مَا شُرِعَ فِي حَقِّهِمْ.