أَيْ لَوْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْآيَاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوهَا مِنْ إِنْزَالِ الْمَلَائِكَةِ فِي قَوْلِهِمْ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَتَكْلِيمِ الْمَوْتَى إِيَّاهُ فِي قَوْلِهِمْ فَأْتُوا بِآبائِنا وَفِي قَوْلِهِمْ أخي قُصَيَّ بْنَ كِلَابٍ وَجُدْعَانَ بْنَ عَمْرٍو، وَهُمَا أَمِينَا الْعَرَبِ، وَالْوَسَطَانِ فِيهِمْ. وَحَشْرِ كُلِّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ وَالطُّيُورِ وَشَهَادَتِهِمْ بِصِدْقِ الرَّسُولِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قَالُوا: أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ (قِبَلًا) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، وَمَعْنَاهُ مُقَابَلَةً أَيْ عِيَانًا وَمُشَاهَدَةً.
قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ، وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ.
وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: مَعْنَاهُ نَاحِيَةً كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ قِبَلَكَ، وَلِي قِبَلَ فُلَانٍ دَيْنٌ، فَانْتِصَابُهُ عَلَى الظَّرْفِ وَفِيهِ بُعْدٌ.
وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ (قُبُلًا) بِضَمِّ الْقَافِ وَالْبَاءِ. فَقَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ:
جَمْعُ قَبِيلٍ وَهُوَ النَّوْعُ، أَيْ نَوْعًا نَوْعًا وَصِنْفًا صِنْفًا.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ: جَمْعُ قَبِيلٍ بِمَعْنَى كَفِيلٍ أَيْ: كُفُلًا بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ. يُقَالُ قَبِلْتُ الرَّجُلَ أَقْبَلُهُ قُبَالَةً، أَيْ كَفُلْتُ بِهِ وَالْقَبِيلُ وَالْكَفِيلُ وَالزَّعِيمُ وَالْأَدِينُ وَالْحَمِيلُ وَالضَّمِينُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
وَقِيلَ قُبُلَا بِمَعْنَى قِبَلًا أَيْ مُقَابَلَةً وَمُوَاجَهَةً. وَمِنْهُ أَتَيْتُكَ قُبُلًا لَا دُبُرًا. أَيْ مِنْ قِبَلِ وَجْهِكَ.
وَقَالَ تَعَالَى: (إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ) وَقُرِئَ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ: أَيْ لِاسْتِقْبَالِهَا وَمُوَاجَهَتِهَا.
وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدِي أَحْسَنُ لِاتِّفَاقِ الْقِرَاءَتَيْنِ.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَأَبُو رَجَاءٍ وَأَبُو حَيْوَةَ، قُبْلًا بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الْبَاءِ عَلَى جِهَةِ التَّخْفِيفِ مِنَ الضَّمِّ.
وَقَرَأَ أُبَيٌّ وَالْأَعْمَشُ قَبِيلًا بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَيَاءٍ بَعْدَهَا، وَانْتِصَابُهُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْحَالِ.
وَقَرَأَ ابْنُ مُصَرِّفٍ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْبَاءِ وَجَوَابُ (لَوْ) مَا كانُوا لِيُؤْمِنُوا.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي أَكْثَرَهُمْ عَائِدٌ عَلَى مَا عَادَتْ عَلَيْهِ الضَّمَائِرُ قِيلَ مِنَ الْكُفَّارِ أَيْ يَجْهَلُونَ الْحَقَّ، أَوْ يَجْهَلُونَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اقْتِرَاحُ الْآيَاتِ بَعْدَ أَنْ رَأَوْا آيَةً وَاحِدَةً، أَوْ يَجْهَلُونَ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ هُوَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ يَجْهَلُونَ فَيُقْسِمُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ عَلَى مَا لَا يَشْعُرُونَ مِنْ حَالِ قُلُوبِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَاتِ.
قَالَ أَوْ لَكِنَّ أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ يَجْهَلُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا أَنْ يَضْطَرَّهُمْ فَيَطْمَعُونَ فِي إِيمَانِهِمْ إِذَا جَاءَتِ الْآيَةُ الْمُقْتَرَحَةُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ يَجْهَلُونَ أَنَّهُمْ يَبْقَوْنَ كُفَّارًا عِنْدَ ظُهُورِ الْآيَاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوهَا.
وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِ مَشِيئَةِ اللَّهِ إِذْ لَوْ كَانَتْ قَدِيمَةً لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَلَّقَ عَلَيْهَا الْحَادِثُ لِأَنَّهَا شَرْطٌ وَيَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الْمَشْرُوطِ حُصُولُ الشرط والحسن دَلَّ عَلَى حُدُوثِ الْإِيمَانِ فَوَجَبَ كَوْنُ الشَّرْطِ حَادِثًا وَهُوَ الْمَشِيئَةُ.
وَأَجَابَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ بِأَنَّ الْمَشِيئَةَ وَإِنْ كَانَتْ قَدِيمَةً تَعَلُّقُهَا بِإِحْدَاثِ ذَلِكَ الْمُحْدَثِ فِي الْحَالَةِ إِضَافَةٌ حَادِثَةٌ انْتَهَى.
وَهَذِهِ الْآيَةُ مُؤَيِّسَةٌ مِنْ إِيمَانِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا الْآيَاتِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْهُمْ. وَلِذَلِكَ جَاءَ قَوْلُهُ: (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَهُمْ مَنْ خُتِمَ لَهُ بِالسَّعَادَةِ فَآمَنَ مِنْهُمْ.