فهرس الكتاب

الصفحة 3338 من 4059

{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) }

هَذِهِ الْآيَةُ تَقْتَضِي الْحَضَّ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَذَكَرَ الْأَبْنَاءُ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْمَحَبَّةَ، وَهُمْ أَعْلَقُ بِالنَّفْسِ، بِخِلَافِ الْآيَةِ قَبْلَهَا فَلَمْ يُذْكَرُوا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الرَّأْيُ وَالْمَشُورَةُ.

وَقَدَّمَ الْآبَاءَ لِأَنَّهُمُ الَّذِي يَجِبُ بِرُّهُمْ وَإِكْرَامُهُمْ وَحُبُّهُمْ، وَثَنَّى بِالْأَبْنَاءِ لِكَوْنِهِمْ أَعْلَقَ بِالْقُلُوبِ.

وَلَمَّا ذَكَرَ الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ ذَكَرَ الْحَاشِيَةَ وَهِيَ الْإِخْوَانُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْأَزْوَاجَ وَهُنَّ فِي الْمَحَبَّةِ وَالْإِيثَارِ كَالْأَبْنَاءِ، ثُمَّ الْأَبْعَدَ بَعْدَ الْأَقْرَبِ فِي الْقَرَابَةِ فَقَالَ:

(وَعَشِيرَتُكُمْ) .

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: بِغَيْرِ أَلِفٍ.

وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ، وَأَبُو رَجَاءٍ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: بِأَلْفٍ عَلَى الْجَمْعِ.

وَزَعَمَ الْأَخْفَشُ أَنَّ الْعَرَبَ تَجْمَعُ عَشِيرَةً عَلَى عَشَائِرَ، وَلَا تَكَادُ تَقُولُ عَشِيرَاتٌ بِالْجَمْعِ بِالْأَلِفِ وَالتَّاءِ.

ثُمَّ ذَكَرَ (وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا) أَيِ اكْتَسَبْتُمُوهَا، لِأَنَّ الْأَمْوَالَ يُعَادِلُ حُبُّهَا حُبَّ الْقَرَابَةِ، بَلْ حُبُّهَا أَشَدُّ، كَانَتِ الْأَمْوَالُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَزِيزَةً، وَأَكْثَرُ النَّاسِ كَانُوا فُقَرَاءَ.

ثُمَّ ذَكَرَ: (وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا) وَالتِّجَارَةُ لَا تَتَهَيَّأُ إِلَّا بِالْأَمْوَالِ، وَجَعَلَ تَعَالَى التِّجَارَةَ سَبَبًا لِزِيَادَةِ الْأَمْوَالِ وَنَمَائِهَا.

وَتَفْسِيرُ ابْنِ الْمُبَارَكِ بِأَنَّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْبَنَاتِ اللَّوَاتِي لَا يَتَزَوَّجْنَ لِقِلَّةِ خُطَّابِهِنَّ، تَفْسِيرٌ غَرِيبٌ يَنْبُو عَنْهُ اللَّفْظُ.

وَقَالَ الشَّاعِرُ:

كَسَدْنَ مِنَ الْفَقْرِ فِي قَوْمِهِنَّ ... وَقَدْ زَادَهُنَّ مَقَامِي كُسُودَا

ثُمَّ ذَكَرَ: (وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا) وَهِيَ الْقُصُورُ وَالدُّورُ.

وَمَعْنَى: تَرْضَوْنَهَا، تَخْتَارُونَ الْإِقَامَةَ بِهَا. وَهَذِهِ الدَّوَاعِي الْأَرْبَعَةُ سَبَبٌ لِمُخَالَطَةِ الْكُفَّارِ حُبُّ الْأَقَارِبِ، وَالْأَمْوَالِ، وَالتِّجَارَةِ، وَالْمَسَاكِنِ. فَذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ مُرَاعَاةَ الدِّينِ خَيْرٌ مِنْ مُرَاعَاةِ هَذِهِ الْأُمُورِ.

وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ أَيْ: أَحَبُّ إِلَيْكُمْ مِنِ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ فِي الْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.

وَالْقُرَّاءُ عَلَى نَصْبِ (أَحَبَّ) لِأَنَّهُ خَبَرُ كَانَ. وَكَانَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ يَقْرَأُ: (أَحَبُّ) بِالرَّفْعِ، وَلَحَّنَهُ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ، وَتَلْحِينُهُ إِيَّاهُ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمُخَالَفَةِ إِجْمَاعِ الْقُرَّاءِ النَّقَلَةِ، وَإِلَّا فَهُوَ جَائِزٌ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنْ يُضْمَرَ فِي كَانَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَيُلْزَمَ مَا بَعْدَهَا بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ، وَتَكُونُ الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهَا خَبَرُ كَانَ.

وَتَضَمَّنَ الْأَمْرُ بِالتَّرَبُّصِ التَّهْدِيدَ وَالْوَعِيدَ.

(حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ)

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: الْإِشَارَةُ إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: الْإِشَارَةُ إِلَى عَذَابٍ أَوْ عُقُوبَةٍ مِنَ اللَّهِ.

و (الفاسقين) عُمُومٌ يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ فِيمَنْ تَوَافَى عَلَى فِسْقِهِ، أَوْ عُمُومٌ مُطْلَقٌ عَلَى أَنَّهُ لَا هِدَايَةَ مِنْ حَيْثُ الْفِسْقُ، وَفِي التَّحْرِيرِ الْفِسْقُ هُنَا الْكُفْرُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَابَلَهُ مِنَ الْهِدَايَةِ.

وَالْكُفْرُ ضَلَالٌ، وَالضَّلَالُ ضِدُّ الْهِدَايَةِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يُهَاجِرُوا، فَيَكُونُ الْفِسْقُ الْخُرُوجَ عَنِ الطَّاعَةِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَمْتَثِلُوا أَمْرَ اللَّهِ وَلَا أَمْرَ رَسُولِهِ فِي الْهِجْرَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت