فهرس الكتاب
{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) }
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: سَأَلَتْ قُرَيْشٌ شَاهِدًا عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: أَيُّ دَلِيلٍ يَشْهَدُ بِأَنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَقَالَ: هَذَا الْقُرْآنُ تَحَدَّيْتُكُمْ بِهِ فَعَجَزْتُمْ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ أَوْ بِمِثْلِ بَعْضِهِ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: قَالَ رُؤَسَاءُ مَكَّةَ: يَا مُحَمَّدُ مَا نَرَى أَحَدًا يُصَدِّقُكَ فِيمَا تَقُولُ فِي أَمْرِ الرِّسَالَةِ وَلَقَدْ سَأَلْنَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى عَنْكَ فَزَعَمُوا أَنْ لَيْسَ لَكَ عِنْدَهُمْ ذِكْرٌ وَلَا صِفَةٌ، فَأَرِنَا مَنْ يَشْهَدُ لَكَ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ كَمَا تَزْعُمُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقِيلَ: سَأَلَ الْمُشْرِكُونَ لَمَّا نَزَلَ (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ) الْآيَة. فَقَالُوا: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَيْكَ وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ إِلَّا اللَّهُ؟ فَقَالَ اللَّهُ وَهَذَا الْقُرْآنُ الْمُعْجِزُ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَتَتَضَمَّنُ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُقَالُ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَمَا يُقَالُ عَلَيْهِ مَوْجُودٌ وَلَكِنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
وَقَالَ غَيْرُهُمَا هُنَا شَيْءٌ يَقَعُ عَلَى الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ وَالْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ وَالْمَعْدُومِ وَالْمَوْجُودِ وَلَمَّا كَانَ هَذَا مُقْتَضَاهُ، جَازَ إِطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى ذَلِكَ وَخَالَفَ الْجَهْمُ وَقَالَ: لَا يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ وَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى ذَاتًا وَمَوْجُودًا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لَهُمْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً فَإِنْ أَجَابُوكَ وَإِلَّا فَقُلْ لَهُمْ: اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ: قُلْ لَهُمْ: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً وَقُلْ لَهُمْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أَيْ فِي تَبْلِيغِي وَكَذِبِكُمْ وَكُفْرِكُمْ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهَا أَفْضَلُ لِأَنَّ مَرَاتِبَ الشَّهَادَاتِ فِي التَّفْضِيلِ تَتَفَاوَتُ بِمَرَاتِبِ الشَّاهِدِينَ وَانْتَصَبَ شَهادَةً عَلَى التَّمْيِيزِ.
(وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)
وَالْخِطَابُ فِي (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ) لِأَهْلِ مَكَّةَ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: وَمَنْ بَلَغَهُ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ.
وَقِيلَ: مِنَ الثَّقَلَيْنِ.
وَقِيلَ: مَنْ بَلَغَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ فَكَأَنَّمَا رَأَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ بَلَغَهُ هَذَا الْقُرْآنُ فَأَنَا نَذِيرُهُ»
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الْفَاعِلُ بِ بَلَغَ عَائِدٌ عَلَى مَنْ لَا عَلَى الْقُرْآنُ
(أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى)
وَهَذَا الِاسْتِفْهَامُ مَعْنَاهُ التَّقْرِيعُ لَهُمْ وَالتَّوْبِيخُ وَالْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ فَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ لِأَهْلِ مَكَّةَ فَالْآلِهَةُ الْأَصْنَامُ فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ أَوْثَانٍ، وَإِنْ كَانَ لِجَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ فَالْآلِهَةُ كُلُّ مَا عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ وَثَنٍ أَوْ كَوْكَبٍ أَوْ نَارٍ أَوْ آدَمِيٍّ وَأُخْرَى صِفَةٌ لِآلِهَةٍ وَصِفَةُ جَمْعِ مَا لَا يُعْقَلُ كَصِفَةِ الْوَاحِدَةِ الْمُؤَنَّثَةِ، كَقَوْلِهِ: (مَآرِبُ أُخْرى) والْأَسْماءُ الْحُسْنى، وَلَمَّا كَانَتِ الْآلِهَةُ حِجَارَةً وَخَشَبًا أُجْرِيَتْ هَذَا الْمَجْرَى.
(قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ)
أَمَرَهُ تَعَالَى أَنْ يُخْبِرَهُمْ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ شَهَادَتَهُمْ وَأَمَرَهُ ثَانِيًا أَنْ يُفْرِدَ اللَّهَ تَعَالَى بِالْإِلَهِيَّةِ، وَأَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ إِشْرَاكِهِمْ وَمَا أَبْدَعَ هَذَا التَّرْتِيبَ أُمِرَ أَوَّلًا بِأَنْ يُخْبِرَهُمْ بِأَنَّهُ لَا يُوَافِقُهُمْ فِي الشَّهَادَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إِفْرَادُ اللَّهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ فَأُمِرَ بِهِ ثَانِيًا لِيَجْتَمِعَ مَعَ انْتِفَاءِ مُوَافَقَتِهِمْ إِثْبَاتُ الْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ أَخْبَرَ ثَالِثًا بِالتَّبَرُّؤِ مِنْ إِشْرَاكِهِمْ وَهُوَ كَالتَّوْكِيدِ لِمَا قَبْلَهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ دَاخِلًا تَحْتَ الْقَوْلِ.
وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا تَحْتَهُ فَأُمِرَ بِأَنْ يَقُولَ الْجُمْلَتَيْنِ، فَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّهَا فِي عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ
وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ وَأُسْنِدَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَ النَّحَّامُ بْنُ زَيْدٍ وَقَرْدَمُ بْنُ كَعْبٍ وَمُجَزِّئُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ مَا تَعْلَمُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا غَيْرَهُ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بِذَلِكَ أُمِرْتُ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِيهِمْ.