فهرس الكتاب

الصفحة 3657 من 4059

{وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ(42)}

(وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ) إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا جَرَى لِلسَّفِينَةِ، وَ (بِهِمْ) حَالٌ أَيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِهِمْ، وَالْمَعْنَى: تَجْرِي وَهُمْ فِيهَا فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ، أَيْ فِي مَوْجِ الطُّوفَانِ شَبَّهَ كُلَّ مَوْجَةٍ مِنْهُ بِجَبَلٍ فِي تَرَاكُمِهَا وَارْتِفَاعِهَا.

رُوِيَ أَنَّ السَّمَاءَ أَمْطَرَتْ جَمِيعَهَا حَتَّى لَمْ يَكُنْ فِي الْهَوَاءِ جَانِبٌ إِلَّا أَمْطَرَ، وَتَفَجَّرَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا بِالنَّبْعِ

وَهَذَا مَعْنَى الْتِقَاءِ الْمَاءِ.

وَرُوِيَ أَنَّ الْمَاءَ عَلَا عَلَى الْجِبَالِ وَأَعَالِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا.

وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ.

وَكَوْنُ السَّفِينَةِ تَجْرِي فِي مَوْجٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَاءِ مَوْجٌ، وَأَنَّهُ لَمْ يُطْبِقِ الْمَاءُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّ السَّفِينَةَ لَمْ تَكُنْ تَجْرِي فِي جَوْفِ الْمَاءِ وَالْمَاءُ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا، فَكَانَتْ تَسْبَحُ فِي الْمَاءِ كَمَا تَسْبَحُ السَّمَكَةُ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الزَّجَّاجُ وَالزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا.

وَقَدِ اسْتَبْعَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذَا قَالَ: وَأَيْنَ كَانَ الْمَوْجُ كَالْجِبَالِ عَلَى هَذَا؟ ثُمَّ كَيْفَ اسْتَقَامَتْ حَيَاةُ مَنْ فِي السَّفِينَةِ؟

وَأَجَابَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِأَنَّ الْجَرَيَانَ فِي الْمَوْجِ كَانَ قَبْلَ التَّطْبِيقِ، وَقَبْلَ أَنْ يَعُمَّ الْمَاءُ الْجِبَالَ.

أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ ابْنِهِ: (سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ) .

(وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ) الْوَاوُ لَا تُرَتِّبُ.

وَهَذَا النِّدَاءُ كَانَ قَبْلَ جَرْيِ السَّفِينَةِ فِي قَوْلِهِ: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ) وَفِي إِضَافَتِهِ إِلَيْهِ هُنَا وَفِي قَوْلِهِ: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) وَنِدَائِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ابْنُهُ لِصُلْبِهِ، وَهُوَ قَوْلُ: ابْنِ مَسْعُودٍ، وابن عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَابْنِ جُبَيْرٍ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، وَالْجُمْهُورِ، وَاسْمُهُ كَنْعَانُ.

وَقِيلَ: يَامُ.

وَقِيلَ: كَانَ ابْنَ قريب له ودعاه بالبنوّة حَنَانًا مِنْهُ وَتَلَطُّفًا.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: بِكَسْرِ تَنْوِينِ (نُوح) .

وَقَرَأَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ: بِضَمِّهِ، أَتْبَعَ حَرَكَتَهُ حَرَكَةَ الْإِعْرَابِ فِي الْحَاءِ.

قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هِيَ لُغَةُ سُوءٍ لَا تُعْرَفُ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: بِوَصْلِ هَاءِ الْكِنَايَةِ بِوَاوٍ.

وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ بِسُكُونِ الْهَاءِ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَأَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ: وَهَذَا عَلَى لُغَةِ الْأَزْدِ الشُّرَاةِ، يُسَكِّنُونَ هَاءَ الْكِنَايَةِ مِنَ الْمُذَكَّرِ، وَمِنْهُ قول الشاعر:

ونضواي مُشْتَاقَانِ لَهُ أَرِقَانِ

وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهَا لُغَةٌ لِبَنِي كِلَابٍ وَعَقِيلٍ، وَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَنْ يَخُصُّ هَذَا السُّكُونَ بِالضَّرُورَةِ وَيُنْشِدُونَ:

وَأَشْرَبِ الْمَاءَ مَا بِي نَحْوَهُ عَطَشٌ ... إِلَّا لِأَنَّ عُيُونَهُ سَيْلُ وَادِيهَا

وَقَرَأَ السُّدِّيُّ ابْنَاهُ بِأَلِفٍ وَهَاءِ السَّكْتِ.

قَالَ أَبُو الْفَتْحِ: ذَلِكَ عَلَى النِّدَاءِ.

وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إِلَى أَنَّهُ عَلَى النُّدْبَةِ وَالرِّثَاءِ.

وَقَرَأَ عَلِيٌّ، وَعُرْوَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَابْنُهُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَابْنُهُ جَعْفَرٌ: (ابْنَهُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ أَيِ: ابْنَهَا مُضَافًا لِضَمِيرِ امْرَأَتِهِ

فَاكْتَفَى بِالْفَتْحَةِ عَنِ الْأَلِفِ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهِيَ لُغَةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

إِمَّا تَقُودُ بِهَا شَاةً فَتَأْكُلُهَا ... أَوْ أَنْ تَبِيعَهُ فِي بَعْضِ الْأَرَاكِيبِ

وَأَنْشَدَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ عَلَى هَذَا:

فَلَسْتَ بِمُدْرِكٍ مَا فَاتَ مِنِّي ... بِلَهْفَ وَلَا بِلَيْتَ وَلَا لَوَانِّي

انتهى.

يريد تبيعها وتلهفا، وَخَطَّأَ النَّحَّاسُ أَبَا حَاتِمٍ فِي حَذْفِ هَذِهِ الْأَلِفِ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:

وَلَيْسَ كَمَا قَالَ انْتَهَى.

وَهَذَا أَعْنِي مِثْلَ تَلَهَّفَ بِحَذْفِ الْأَلِفِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ضَرُورَةً، وَلِذَلِكَ لَا يُجِيزُونَ يَا غُلَامُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ، وَالِاجْتِزَاءَ بِالْفَتْحَةِ عَنْهَا كَمَا اجْتَزَءُوا بِالْكَسْرَةِ فِي يَا غُلَامِ عَنِ الْيَاءِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ الْأَخْفَشُ.

وَقَرَأَ أَيْضًا عَلِيٌّ وَعُرْوَةُ (ابْنَهَا) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَأَلِفٍ

أَيِ: ابْنَ امْرَأَتِهِ.

وَكَوْنُهُ لَيْسَ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ ابْنَ امْرَأَتِهِ قَوْلَ: عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ. وَكَانَ الْحَسَنُ يَحْلِفُ أَنَّهُ لَيْسَ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ.

قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ حَكَى عَنْهُ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي، وَأَنْتَ تَقُولُ: لَمْ يَكُنِ ابْنَهُ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُ كَانَ ابْنَهُ فَقَالَ: وَمَنْ يَأْخُذُ دِينِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؟

وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ (مِنْ أَهْلِي) وَلَمْ يَقُلْ مِنِّي، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ رَبِيبًا.

وَكَانَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، يَحْلِفَانِ عَلَى أَنَّهُ ابْنُهُ، وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ كَانَ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ غَضَاضَةٌ عُصِمَتْ مِنْهُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ وَابْنِ جُرَيْجٍ، ولعله لا يصح عَنْهما.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا بَغَتِ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهُ ابْنُهُ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ (ابْنَهَ، أَوِ ابْنَهَا) فَشَاذَّةٌ، وَيُمْكِنُ [أَنَّهُ] نُسِبَ إِلَى أُمِّهِ وَأُضِيفَ إِلَيْهَا، وَلَمْ يُضَفْ إِلَى أَبِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ كَافِرًا مِثْلَهَا، يُلْحَظُ فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى وَلَمْ يُضَفْ إِلَيْهِ اسْتِبْعَادًا لَهُ، وَرَعْيًا أَنْ لَا يُضَافَ إِلَيْهِ كَافِرٌ، وَإِنَّمَا نَادَاهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا أَحَبَّ نَجَاتَهُ. أَوْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ يُؤْمِنُ إِنْ كَانَ كَافِرًا لِمَا شَاهَدَ مِنَ الْأَهْوَالِ الْعَظِيمَةِ، وَأَنَّهُ يَقْبَلُ الْإِيمَانَ.

وَيَكُونُ قَوْلُهُ: (ارْكَبْ مَعَنَا) كَالدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ الْإِيمَانَ، وَتَأَكَّدَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ) أَيِ ارْكَبْ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ لَا يَرْكَبُ مَعَهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ لِقَوْلِهِ: (ومن آمن) .

و (في مَعْزِلٍ) أَيْ: فِي مَكَانٍ عَزَلَ فِيهِ نَفْسَهُ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ مَرْكَبِ الْمُؤْمِنِينَ.

وَقِيلَ: فِي مَعْزِلٍ عَنْ دِينِ أَبِيهِ، وَنِدَاؤُهُ بِالتَّصْغِيرِ خِطَابُ تَحَنُّنٍ وَرَأْفَةٍ، وَالْمَعْنَى: ارْكَبْ مَعَنَا فِي السَّفِينَةِ فَتَنْجُوَ وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ فَتَهْلَكَ.

وَقَرَأَ عَاصِمٌ (يَا بُنَيَّ) بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَوُجِّهَ عَلَى أَنَّهُ اجْتَزَأَ بِالْفَتْحَةِ عَنِ الْأَلْفِ، وَأَصْلُهُ يَا بُنَيًّا كَقَوْلِكَ: يَا غُلَامًا، كَمَا اجْتَزَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ بِالْكَسْرَةِ عَنِ الْيَاءِ فِي قِرَاءَتِهِمْ (يَا بَنِي) بِكَسْرِ الْيَاءِ، أَوْ أَنَّ الْأَلِفَ انْحَذَفَتْ لِالْتِقَائِهَا مَعَ رَاءِ ارْكَبْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت