فهرس الكتاب

الصفحة 1032 من 4059

{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(212)}

(وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ)

فَوْقَ: ظَرْفُ مَكَانٍ، فَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَالِهِ مِنَ الظَّرْفِيَّةِ الْمَكَانِيَّةِ حَقِيقَةً، لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ فِي عِلِّيِّينَ فِي السَّمَاءِ، وَالْكُفَّارَ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ

وَقِيلَ: الْفَوْقِيَّةُ، مَجَازٌ إِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّعِيمَيْنِ: نَعِيمِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ، وَنَعِيمِ الْكَافِرِينَ فِي الدُّنْيَا، وَإِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى حُجَجِ الْمُؤْمِنِينَ، وَشُبَهِ الْكُفَّارِ لِثُبُوتِ الْحُجَجِ وَتَلَاشِي الشُّبَهِ، وَإِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا زَعَمَ الْكُفَّارُ مِنْ قَوْلِهِمْ إِنْ كَانَ لَنَا مُعَادٌ فَلَنَا فِيهِ الْحَظُّ، وَإِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى سُخْرِيَةِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِمْ فِي الْآخِرَةِ، وَسُخْرِيَةِ الْكَافِرِينَ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا، فَهُمْ عَالُونِ عَلَيْهِمْ، مُتَطَاوِلُونَ، يَضْحَكُونَ مِنْهُمْ، كَمَا كَانَ أُولَئِكَ فِي الدُّنْيَا يَتَطَاوَلُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَيَضْحَكُونَ مِنْهُمْ، وَإِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُلُوِّ حَالِهِمْ، لِأَنَّهُمْ فِي كَرَامَةٍ، وَالْكُفَّارَ فِي هَوَانٍ.

وَجَاءَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُصَدَّرَةً بِقَوْلِهِ (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا) لِيَظْهَرَ أَنَّ السَّعَادَةَ الْكُبْرَى لَا تَحْصُلُ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ الْمُتَّقِي، وَلِتَبْعَثَ الْمُؤْمِنَ عَلَى التَّقْوَى، وَلِيَزُولَ قَلَقُ التَّكْرَارِ لَوْ كَانَ: وَالَّذِينَ آمَنُوا، لِأَنَّ قَبْلَهُ: الَّذِينَ آمَنُوا.

(وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ)

اتِّصَالُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِمَا قَبْلَهَا مِنْ تَفْضِيلِ الْمُتَّقِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُلُّ عَلَى تَعَلُّقِهَا بِهِمْ، فَقِيلَ: هَذَا الرِّزْقُ فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ مَا يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِيهَا مِنَ الثَّوَابِ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: (بِغَيْرِ حِسَابٍ) أَيْ بِغَيْرِ نِهَايَةٍ، لِأَنَّ مَا لَا يَتَنَاهَى خَارِجٌ عَنِ الْحِسَابِ، أَوْ يَكُونُ الْمَعْنَى: أَنَّ بَعْضَهَا ثَوَابٌ وَبَعْضَهَا تَفْضِيلٌ مَحْضٌ، فَهُوَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

وَقِيلَ: هَذَا الرِّزْقُ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى تَمَلُّكِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَهْزَأِ بِهِمْ أَمْوَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، يَصِيرُ إِلَيْهِمْ بِلَا حِسَابٍ، بَلْ يَنَالُونَهَا بِأَسْهَلِ شَيْءٍ وَأَيْسَرِهِ.

قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.

وَقَالَ نَحْوَهُ الْقَفَّالُ.

قَالَ: قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ بِمَا أَفَاءَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، وَرُؤَسَاءِ الْيَهُودِ، وَبِمَا فُتِحَ بَعْدَ وَفَاتِهِ عَلَى أَيْدِي أَصْحَابِهِ.

وَقَالُوا مَا مَعْنَاهُ: إِنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِالْكُفَّارِ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَاللَّهُ يَرْزُقُ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةَ فِي الدُّنْيَا، فَلَا تَسْتَعْظِمُوا ذَلِكَ، وَلَا تَقِيسُوا عَلَيْهِ الْآخِرَةَ، فَإِنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ عَلَى قَدْرِ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، بَلْ يُحْسَبُ لِهَذَا عَمَلُهُ وَهَذَا عَمَلُهُ، فَيُرْزَقَانِ بِحِسَابِ ذَلِكَ، بَلِ الرِّزْقُ بِغَيْرِ حِسَابِ الْأَعْمَالِ، وَالْأَعْمَالُ مُجَازَاتُهَا مُحَاسَبَةٌ وَمُعَادَةٌ، إِذْ أَجْزَاءُ الْجَزَاءِ تُقَابِلُ أَجْزَاءَ الْفِعْلِ الْمُجَازَى عَلَيْهِ، فَالْمَعْنَى: إِنَّ الْمُؤْمِنَ وَإِنْ لَمْ يُرْزَقْ فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ فَوْقَ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَالَّذِي يَظْهَرُ عَدَمُ تَخْصِيصِ الرِّزْقِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، بَلْ لَمَّا ذَكَرَ حَالَيْهِمَا مِنْ سُخْرِيَةِ الْكُفَّارِ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا، بِسَبَبِ مَا رُزِقُوا: مِنَ التَّمَكُّنِ فِيهَا، وَالرِّيَاسَةِ، وَالْبَسْطِ، وَتَعَالِي الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ فِي الْآخِرَةِ. بِسَبَبِ مَا رُزِقُوا مِنَ: الْفَوْزِ، وَالتَّفَرُّدِ بِالنَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ، بَيَّنَ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ ذَلِكَ وَيَرْزُقُهُ إِيَّاهُ إِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ لِمَشِيئَتِهِ السَّابِقَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُحَاسِبُهُ أَحَدٌ، وَلَا يُحَاسِبُ نَفْسَهُ عَلَى مَا يُعْطِي، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمَنْ يَخَافُ نَفَاذَ مَا عِنْدَهُ.

وَقَالُوا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَنْقُصُهَا شَيْءٌ مَا أَنْفَقَ منذ خلق السماوات وَالْأَرْضَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْقِصْ شَيْئًا مِمَّا عِنْدَهُ» .

(لطيفة)

وَأَعَادَ ذِكْرَهُمْ بِلَفْظِ: (مَنْ يَشَاءُ) تَنْبِيهًا عَلَى إِرَادَتِهِ لَهُمْ، وَمَحَبَّتِهِ إِيَّاهُمْ، وَاخْتِصَاصِهِمْ بِهِ، إِذْ لَوْ قَالَ: وَاللَّهُ يَرْزُقُهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ، لَفَاتَ هَذَا الْمَعْنَى مَنْ ذِكْرِ الْمَشِيئَةِ الَّتِي هِيَ الْإِرَادَةُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت