فهرس الكتاب

الصفحة 4043 من 4059

{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(3)خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ(4)}

ثُمَّ دَلَّ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ بِمَا ذَكَرَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ من خلق السماوات وَالْأَرْضِ، وَهُمْ مُقِرُّونَ بِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ خَالِقُهَا.

وَ (بِالْحَقِّ) أَيْ: بِالْوَاجِبِ اللَّائِقِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى صِفَاتٍ تُحِقُّ لِمَنْ كَانَتْ لَهُ أَنْ يَخْلُقَ وَيَخْتَرِعَ وَهِيَ: الْحَيَاةُ، وَالْعِلْمُ، وَالْقُدْرَةُ، وَالْإِرَادَةُ، بِخِلَافِ شُرَكَائِهِمُ الَّتِي لَا يَحِقُّ لَهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.

وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: (فَتَعَالَى) بِزِيَادَةِ فَاءٍ، وَجَاءَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُنَبِّهَةً عَلَى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى مُوجِدِ هَذَا الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالْعَالَمِ السُّفْلِيِّ عَنْ أَنْ يُتَّخَذَ مَعَهُ شَرِيكٌ فِي الْعِبَادَةِ.

وَلَمَّا ذَكَرَ مَا دَلَّ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ مِنْ خَلْقِ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ بِالْخَارِجِ، ذَكَرَ الِاسْتِدْلَالَ مِنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِ، فَذَكَرَ إِنْشَاءَهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ، وَكَانَ حَقُّهُ وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُطِيعَ وَيَنْقَادَ لِأَمْرِ اللَّهِ.

وَالْخَصِيمُ مِنْ صِفَاتِ الْمُبَالَغَةِ مِنْ خَصَمَ بِمَعْنَى اخْتَصَمَ، أَوْ بِمَعْنَى مُخَاصِمٍ، كَالْخَلِيطِ وَالْجَلِيسِ، وَالْمُبِينُ الظَّاهِرُ الْخُصُومَةِ أَوِ الْمُظْهِرُهَا.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ سِيَاقَ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ سِيَاقُ ذَمٍّ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) وَقَوْلُهُ: (أَنْ أَنْذِرُوا) الْآيَة. ولتكرير تعالى (عَمَّا يُشْرِكُونَ) وَلِقَوْلِهِ فِي يس: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ) الْآيَةَ وَقَالَ: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) وَعَنَى بِهِ مُخَاصَمَتَهُمْ لِأَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَأَوْلِيَائِهِ بِالْحُجَجِ الدَّاحِضَةِ، وَأَكْثَرُ مَا ذُكِرَ الْإِنْسَانُ فِي الْقُرْآنِ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ، أَوِ مُرْدَفًا بِالذَّمِّ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ هَنَا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ.

وَقَالَ قَوْمٌ: سِيَاقُ الْوَصْفَيْنِ سِيَاقُ الْمَدْحِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَوَّاهُ عَلَى مُنَازَعَةِ الْخُصُومِ، وَجَعَلَهُ مُبَيِّنَ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَنَقَلَهُ مِنْ تِلْكَ الْحَالَةِ الْجَمَادِيَّةِ وَهُوَ كَوْنُهُ نُطْفَةً إِلَى الْحَالَةِ الْعَالِيَةِ الشَّرِيفَةِ وَهِيَ: حالة النطق والإبانة.

وإذ هُنَا لِلْمُفَاجَأَةِ، وَبَعْدَ خَلْقِهِ مِنَ النُّطْفَةِ لَمْ تَقَعِ الْمُفَاجَأَةُ بِالْمُخَاطَبَةِ إِلَّا بَعْدَ أَحْوَالٍ تَطَوَّرَ فِيهَا، فَتِلْكَ الْأَحْوَالُ مَحْذُوفَةٌ، وَتَقَعُ الْمُفَاجَأَةُ بَعْدَهَا.

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ أَشْرَفَ الْأَجْسَامِ بَعْدَ الْأَفْلَاكِ وَالْكَوَاكِبِ هُوَ الْإِنْسَانُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْإِنْسَانَ وَأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ بَدَنٍ وَنَفْسٍ فِي كَلَامٍ كَثِيرٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ، وَلَا نُسَلِّمُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْأَفْلَاكَ وَالْكَوَاكِبَ أَشْرَفُ مِنَ الْإِنْسَانِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت