فهرس الكتاب
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) }
نَزَلَتْ فِي فِنْحَاصَ قَالَهُ: ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: فِيهِ وَفِي ابْنِ صُورِيَّا، وَعَازِرَ بْنِ أَبِي عَازِرَ قَالُوا ذَلِكَ.
وَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَى الْيَهُودِ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ عُلَمَاؤُهُمْ وَهُمْ أَتْبَاعُهُمْ فِي ذَلِكَ.
وَالْيَدُ فِي الْجَارِحَةِ حَقِيقَةٌ، وَفِي غَيْرِهَا مَجَازٌ، فَيُرَادُ بِهَا النِّعْمَةُ تَقُولُ العرب: كم يدلي عِنْدَ فُلَانٍ، وَالْقُوَّةُ وَالْمُلْكُ وَالْقُدْرَةُ. (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ)
قَالَ الشَّاعِرُ:
وَأَنْتَ عَلَى أَعْبَاءِ مُلْكِكَ ذُو يَدِ
أَيْ ذُو قُدْرَةٍ، وَالتَّأْيِيدُ وَالنَّصْرُ يَدُ اللَّهِ مَعَ الْقَاضِي حِينَ يَقْضِي، وَالْقَاسِمِ حِينَ يَقْسِمُ.
وَتَأْتِي صِلَةً (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا) أَيْ مِمَّا عملنا (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) أَيِ الَّذِي لَهُ عُقْدَةُ النِّكَاحِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِ الْيَهُودِ أن لله يَدًا فَإِنْ كَانُوا أَرَادُوا الْجَارِحَةَ فَهُوَ مُنَاسِبُ مَذْهَبِهِمْ إِذْ هُوَ التَّجْسِيمُ، زَعَمُوا أَنَّ رَبَّهُمْ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ. وَزَعَمُوا أَنَّهُ فَرَغَ مِنْ خلق السماوات وَالْأَرْضِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاسْتَلْقَى عَلَى ظَهْرِهِ وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى لِلِاسْتِرَاحَةِ.
وَرَدَّ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ) (وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ)
وَظَاهِرُ مَسَاقِ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِغَلِّ الْيَدِ وَبَسْطِهَا الْمَجَازَ عَنِ الْبُخْلِ وَالْجُودِ، وَمِنْهُ (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ) وَلَا يَقْصِدُ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِهَذَا الْكَلَامِ إِثْبَاتَ يَدٍ وَلَا غَلٍّ وَلَا بَسْطٍ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ هَذَا الْكَلَامِ وَبَيْنَ مَا وَقَعَ مَجَازًا عَنْهُ، كَأَنَّهُمَا كَلَامَانِ مُتَعَاقِبَانِ عَلَى حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، حَتَّى إِنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ فِي مَلِكٍ لَا يُعْطِي عَطَاءً قَطُّ، وَلَا يَمْنَعُهُ إِلَّا بِإِشَارَتِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالِ يَدٍ وَبَسْطِهَا وَقَبْضِهَا.
وَقَالَ حَبِيبٌ فِي الْمُعْتَصِمِ:
تَعَوَّدَ بَسْطَ الْكَفِّ حَتَّى لَوَ انَّهُ ... ثَنَاهَا لِقَبْضٍ لَمْ تُجِبْهُ أَنَامِلُهُ
كَنَّى بِذَلِكَ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْكَرَمِ.
وَسَبَبُ مُقَالَةِ الْيَهُودِ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ يَبْسُطُ لَهُمُ الرِّزْقَ، فَلَمَّا عَصَوْا أَمْرَ الرَّسُولِ وَكَفَرُوا بِهِ كَفَّ عَنْهُمْ مَا كَانَ يَبْسُطُ لَهُمْ فَقَالُوا ذَلِكَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: لَمَّا اسْتَقْرَضَ مِنْهُمْ قَالُوا ذَلِكَ وَهُوَ بَخِيلٌ.
وَقِيلَ: لَمَّا اسْتَعَانَ بِهِمْ فِي الدِّيَاتِ. وَهَذِهِ الْأَسْبَابُ مُنَاسِبَةٌ لِسِيَاقِ الْآيَةِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: لَمَّا أَعَانَ النَّصَارَى بُخْتُنَصَّر الْمَجُوسِيَّ عَلَى تَخْرِيبِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَتِ الْيَهُودُ: لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمَنَعَنَا مِنْهُ، فَيَدُهُ مَغْلُولَةٌ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: مَغْلُولَةٌ عَنْ عَذَابِهِمْ فَهِيَ فِي مَعْنَى: (نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ يَدْفَعُهُمَا قَوْلُهُ: (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ) .
وقال الكلبي: كَانُوا [مُجَسِّمِينَ] وَقَالُوا ذَلِكَ عِنَادًا وَاسْتِهْزَاءً وَتَهَكُّمًا انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُمْ: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) خَبَرٍ، وَأَبْعَدَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ. أَيَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ حَيْثُ قَتَّرَ الْمَعِيشَةَ عَلَيْنَا، وَإِلَى أَنَّهَا مَمْسُوكَةٌ عَنِ الْعَطَاءِ ذَهَبَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَالْفَرَّاءُ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ، وَالزَّجَّاجُ. أَوْ عَنْ عَذَابِهِمْ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ بِقَدْرِ عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ قَالَهُ: الْحَسَنُ. أَوْ إِلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْنَا مُلْكَنَا.
قَالَ الطَّبَرِيُّ: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ خَبَرٌ، وَإِيعَادٌ وَاقِعٌ بِهِمْ فِي جَهَنَّمَ لَا مَحَالَةَ، أَوْ خَبَرٌ عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا جَعَلَهُمُ اللَّهُ أَبْخَلَ قَوْمٍ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَمْسَكَتْ عَنِ الْخَيْرِ.
وَقِيلَ: هُوَ دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ بِالْبُخْلِ وَالنَّكَدِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانُوا أَبْخَلَ خَلْقِ اللَّهِ وَأَنْكَدَهُمْ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دُعَاءً عَلَيْهِمْ بِغَلِّ الْأَيْدِي حَقِيقَةً يُغَلَّلُونَ فِي الدُّنْيَا أُسَارَى، وَفِي الْآخِرَةِ مُعَذَّبِينَ بِأَغْلَالِ جَهَنَّمَ.
وَالطِّبَاقُ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَمُلَاحَظَةُ أَصْلِ الْمَجَازِ كَمَا تَقُولُ: سَبَّنِي سَبَّ اللَّهُ دَابِرَهُ، لِأَنَّ السَّبَّ أَصْلُهُ الْقَطْعُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ جَازَ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِمَا هُوَ قَبِيحٌ وَهُوَ الْبُخْلُ وَالنَّكَدُ؟
(قُلْتُ) الْمُرَادُ بِهِ الدُّعَاءُ بِالْخِذْلَانِ الَّذِي تَقْسُو بِهِ قُلُوبُهُمْ، فَيَزِيدُونَ بُخْلًا إِلَى بُخْلِهِمْ وَنَكَدًا إِلَى نَكَدِهِمْ، وَبِمَا هُوَ مُسَبَّبٌ عَنِ الْبُخْلِ وَالنَّكَدِ مِنْ لُصُوقِ الْعَارِ بِهِمْ، وَسُوءِ الْأُحْدُوثَةِ الَّتِي تُخْزِيهِمْ، وَتُمَزِّقُ أَعْرَاضَهُمْ انْتَهَى كلامه.
وأخرجه جار عَلَى طَرِيقَةِ الِاعْتِزَالِ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُمْ: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، اسْتِعَارَةٌ عَنْ إِمْسَاكِ الْإِحْسَانِ الصَّادِرِ مِنَ الْمَقْهُورِ عَلَى الْإِمْسَاكِ. وَلِذَلِكَ جَاءُوا بِلَفْظِ مَغْلُولَةٌ، وَلَا يُغَلُّ إِلَّا الْمَقْهُورُ، فَجَاءَ قَوْلُهُ: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ بِغَلِّ الْأَيْدِي، فَهُمْ فِي كُلِّ بَلَدٍ مَعَ كُلِّ أُمَّةٍ مَقْهُورُونَ مَغْلُوبُونَ، لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَسْتَطِيلَ وَلَا أَنْ يَسْتَعْلِيَ، فَهِيَ اسْتِعَارَةٌ عَنْ ذُلِّهِمْ وَقَهْرِهِمْ، وَأَنَّ أَيْدِيَهُمْ لَا تَنْبَسِطُ إِلَى دَفْعِ ضُرٍّ يَنْزِلُ بِهِمْ، وَذَلِكَ مُقَابَلَةٌ عَمَّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُمْ: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ بِدْعًا مِنْهُمْ فَقَدْ قَالُوا: (إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ) .
(غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا)
يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا وَأَنْ يَكُونَ دُعَاءً وَبِمَا قَالُوا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ يُرَادُ بِهِ مَقَالَتُهُمْ هَذِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِيمَا نَسَبُوهُ إِلَى اللَّهِ مِمَّا لَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ، فَتَنْدَرِجُ هَذِهِ الْمَقَالَةُ فِي عُمُومِ مَا قَالُوا.
(بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ)
مُعْتَقَدُ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ اللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا جَارِحَةَ لَهُ، وَلَا يُشَبَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا يُكَيَّفُ، وَلَا يَتَحَيَّزُ، وَلَا تُحِلُّهُ الْحَوَادِثُ، وَكُلُّ هَذَا مُقَرَّرٌ فِي عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ هَذَا اسْتِعَارَةٌ عَنْ جُودِهِ وَإِنْعَامِهِ السَّابِغِ.
وَأَضَافَ ذَلِكَ إِلَى الْيَدَيْنِ جَارِيًا عَلَى طَرِيقَةِ الْعَرَبِ فِي قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ يُنْفِقُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ فَكَفٌّ مُفِيدَةٌ ... وَكَفٌّ إِذَا مَا ضُنَّ بِالْمَالِ تُنْفِقُ
وَيُؤَيِّدُ أَنَّ الْيَدَيْنِ هُنَا بِمَعْنَى الْإِنْعَامِ قَرِينَةُ الْإِنْفَاقِ.
وَمَنْ نَظَرَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَرَفَ يَقِينًا أَنَّ بَسْطَ الْيَدِ وَقَبْضَهَا اسْتِعَارَةٌ لِلْجُودِ وَالْبُخْلِ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَتِ الْعَرَبُ ذَلِكَ حَيْثُ لَا يَكُونُ قَالَ الشَّاعِرُ:
جَادَ الْحِمَى بَسِطُ الْيَدَيْنِ بِوَابِلٍ ... شَكَرَتْ نَدَاهُ تِلَاعُهُ وَوِهَادُهُ
وَقَالَ لَبِيدٌ:
وَغَدَاةِ رِيحٍ قَدْ وَزَعْتُ وَقُرَّةٍ ... قَدْ أَصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمَالِ زِمَامُهَا
وَيُقَالُ: بَسَطَ الْيَأْسُ كَفَّهُ فِي صَدْرِي، وَالْيَأْسُ مَعْنًى لَا عَيْنٌ وَقَدْ جَعَلَ لَهُ كَفًّا.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَنْ لَمْ يَنْظُرْ فِي عِلْمِ الْبَيَانِ عَمِيَ عَنْ تَبَصُّرِ مَحَجَّةِ الصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ أَمْثَالِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْ يَدِ الطَّاعِنِ إِذَا عَبَثَتْ بِهِ ثُمَّ قَالَ:
(فَإِنْ قُلْتَ) لِمَ ثُنِّيَتِ الْيَدُ فِي (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) وَهِيَ مُفْرَدَةٌ فِي (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) ؟
(قُلْتُ) لِيُكُونَ رَدُّ قَوْلِهِمْ وَإِنْكَارُهُ أَبْلَغَ وَأَدَلَّ عَلَى إِثْبَاتِ غَايَةِ السَّخَاءِ لَهُ وَنَفْيِ الْبُخْلِ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ غَايَةَ مَا يَبْذُلُهُ السَّخِيُّ بِمَا لَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَنْ يُعْطِيَهُ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، فَبُنِيَ الْمَجَازُ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى.
وَكَلَامُهُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ.
وَقِيلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَدَاهُ نِعْمَتَاهُ، فَقِيلَ: هُمَا مَجَازَانِ عَنْ نِعْمَةِ الدِّينِ وَنِعْمَةِ الدُّنْيَا، أَوْ نِعْمَةِ سَلَامَةِ الْأَعْضَاءِ وَالْحَوَاسِّ وَنِعْمَةِ الرِّزْقِ وَالْكِفَايَةِ، أَوِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، أَوْ نِعْمَةِ الْمَطَرِ وَنِعْمَةِ النَّبَاتِ، وَمَا وَرَدَ مِمَّا يُوهِمُ التَّجْسِيمَ كَهَذَا.
وَقَوْلُهُ: (لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) و (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا) و (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) (ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي) و (تَجْرِي بِأَعْيُنِنا) و (هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) وَنَحْوُهَا.
فَجُمْهُورُ الْأُمَّةِ أَنَّهَا تُفَسَّرُ عَلَى قَوَانِينِ اللُّغَةِ وَمَجَازِ الِاسْتِعَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَفَانِينِ الكلام.
وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ: هَذِهِ كُلُّهَا صِفَاتٌ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ، ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ وَلَا تَحْدِيدٍ.
وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمُ الشَّعْبِيُّ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالثَّوْرِيُّ: نُؤْمِنُ بِهَا وَنُقِرُّ كَمَا نَصَّتْ، وَلَا نُعَيِّنُ تَفْسِيرَهَا، وَلَا يَسْبِقُ النَّظَرُ فيه.
وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ حَدِيثُ مَنْ لَمْ يُمْعِنِ النَّظَرَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ حُجَجُهَا فِي عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ.