(سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)
أَيْ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ، وَإِنْ كَانُوا ظَاهِرِينَ عَلَيْكُمْ يَوْمَ أُحُدٍ فَإِنَّا نَخْذُلُهُمْ بِإِلْقَاءِ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ.
وَأَتَى بِالسِّينِ الْقَرِيبَةِ الِاسْتِقْبَالِ، وَكَذَا وَقَعَ. أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يَوْمَ أُحُدٍ فَانْهَزَمُوا إِلَى مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُمْ إِذْ ذَاكَ الْقُوَّةُ وَالْغَلَبَةُ.
وَقِيلَ: ذَهَبُوا إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالُوا: مَا صَنَعْنَا شَيْئًا، قَتَلْنَا مِنْهُمْ ثُمَّ تَرَكْنَاهُمْ وَنَحْنُ قَاهِرُونَ، ارْجِعُوا فَاسْتَأْصِلُوهُمْ، فَلَمَّا عَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ أَلْقَى اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَمْسَكُوا.
وَالْإِلْقَاءُ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْرَامِ، وَاسْتُعِيرَ هُنَا لِلْجَعْلِ، وَنَظِيرُهُ: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ)
وَقَدَّمَ فِي قُلُوبِهِمْ: وَهُوَ مَجْرُورٌ عَلَى المفعول للاهتمام بالمحل الْمُلْقَى فِيهِ قَبْلَ ذِكْرِ الْمُلْقَى.
وَقَوْلُهُ: (سَنُلْقِي) وَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ بَعْدَ أُحُدٍ، وَالظَّفَرِ.
وَقَالَ: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»
وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِأَنَّهُ يُلْقِي الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ.
(بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا)
أَيْ بِسَبَبِ إِشْرَاكِهِمْ بِاللَّهِ آلِهَةً لَمْ يُنَزِّلْ بِإِشْرَاكِهَا حُجَّةً وَلَا بُرْهَانًا، وَتَسْلِيطُ النَّفْيِ عَلَى الْإِنْزَالِ، وَالْمَقْصُودُ: نَفْيُ السُّلْطَانِ، أَيْ آلِهَةٌ لَا سُلْطَانَ فِي إِشْرَاكِهَا، فَيَنْزِلُ نَحْوَ قَوْلِهِ:
(عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ
أَيْ لَا مَنَارَ لَهُ فَيَهْتَدِي بِهِ
وَقَوْلُهُ: وَلَا تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرُ
أَيْ لَا يَنْجَحِرُ الضَّبُّ فَيُرَى بِهَا.
وَالْمُرَادُ نَفْيُ السُّلْطَانِ وَالنُّزُولُ مَعًا. وَكَانَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ سَبَبًا لِإِلْقَاءِ الرُّعْبِ، لِأَنَّهُمْ يَكْرَهُونَ الْمَوْتَ وَيُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ، إِذْ لَمْ تَتَعَلَّقْ آمَالُهُمْ بِالْآخِرَةِ وَلَا بِثَوَابٍ فِيهَا وَلَا عِقَابٍ، فَصَارَ اعْتِقَادُهُمْ ذَلِكَ مُؤَثِّرًا فِي الرَّغْبَةِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَا قَالُوا: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)
وَفِي قَوْلِهِ: (مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) دَلِيلٌ عَلَى إِبْطَالِ التَّقْلِيدِ، إِذْ لَا بُرْهَانَ مَعَ الْمُقَلِّدِ.
(وَمَأْواهُمُ النَّارُ)
أُخْبِرَ تَعَالَى بِأَنَّ مَصِيرَهُمْ وَمَرْجِعَهُمْ إِلَى النَّارِ فَهُمْ فِي الدُّنْيَا مَرْعُوبُونَ وَفِي الْآخِرَةِ مُعَذَّبُونَ، بِسَبَبِ إِشْرَاكِهِمْ. فَهُوَ جَالِبٌ لَهُمُ الشَّرَّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
(وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ)
بَالَغَ فِي ذَمِّ مَثْوَاهُمْ وَالْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أَيْ:
وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ النَّارُ. وَجَعَلَ النَّارَ مَأْوَاهُمْ وَمَثْوَاهُمْ. وَبَدَأَ بِالْمَأْوَى وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَأْوِي إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الثَّوَاءُ، لِأَنَّ الثَّوَاءَ دَالٌّ عَلَى الْإِقَامَةِ، فَجَعَلَهَا مَأْوًى وَمَثْوًى كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ) وَنَبَّهَ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ النَّارَ وَهُوَ الظُّلْمُ، وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ إِذْ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ غَيْرَهُ. كَمَا قَالَ: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) .