فهرس الكتاب

الصفحة 2936 من 4059

{قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ(13)}

لَمَّا كَانَ امْتِنَاعُهُ مِنَ السجود لسبب ظهور شفوقه عَلَى آدَمَ عِنْدَ نَفْسِهِ قَابَلَهُ اللَّهُ بِالْهُبُوطِ الْمُشْعِرِ بِالنُّزُولِ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ وَالضَّمِيرُ فِي (مِنْها) لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مُفَسِّرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى الْجَنَّةِ وَكَانَ إِبْلِيسُ مِنْ سُكَّانِهَا.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانُوا فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لَا فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ وَخُلِقَ آدَمُ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أُهْبِطَ أَوَّلًا وَأُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ وَصَارَ فِي السَّمَاءِ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ تَظَافَرَتْ أَنَّهُ أَغْوَى آدَمَ وَحَوَّاءَ مِنْ خَارِجِ الْجَنَّةِ ثُمَّ أُمِرَ آخِرًا بِالْهُبُوطِ مِنَ السَّمَاءِ، مَعَ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَالْحَيَّةِ وَهَذَا كُلُّهُ بِحَسَبِ أَلْفَاظِ الْقِصَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.

وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى السَّمَاءِ.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَاهْبِطْ مِنْها مِنَ السَّمَاءِ الَّتِي هِيَ مَكَانُ الْمُطِيعِينَ الْمُتَوَاضِعِينَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ مَقَرُّ الْعَاصِينَ الْمُتَكَبِّرِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ.

وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى الْأَرْضِ فَكَأَنَّهُ كَانَ لَهُ مُلْكُهَا أَمَرَهُ أَنْ يَهْبِطَ مِنْهَا إِلَى جَزَائِرِ الْبِحَارِ فَسُلْطَانُهُ فِيهَا فَلَا يَدْخُلُ الْأَرْضَ إِلَّا كَهَيْئَةِ السَّارِقِ يَخَافُ فِيهَا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى صِحَّةِ نَقْلٍ.

وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا لِأَنَّهُ افْتَخَرَ أَنَّهُ مِنَ النَّارِ فَشُوِّهَتْ صُورَتُهُ بِالْإِظْلَامِ وَزَوَالِ إِشْرَاقِهِ.

وَقِيلَ: عَائِدٌ عَلَى الْمَدِينَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا ذَكَرَهُ الْكَرْمَانِيُّ وَيَحْتَاجُ إِلَى تَصْحِيحِ نَقْلٍ.

وَقِيلَ يَعُودُ عَلَى الْمَنْزِلَةِ وَالرُّتْبَةِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا فِي مَحَلِّ الِاصْطِفَاءِ وَالتَّقْرِيبِ إِلَى مَحَلِّ الطَّرْدِ وَالتَّعْذِيبِ

وَمَعْنَى (فَمَا يَكُونُ لَكَ) لَا يَصِحُّ لَكَ أَوْ لَا يَتِمُّ أَوْ لَا يَنْبَغِي بَلِ التَّكَبُّرُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ.

وَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَذْفِ مَعْطُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى التَّقْدِيرُ فِيهَا وَلَا فِي غَيْرِهَا.

وَقِيلَ الْمَعْنَى مَا لِلْمُتَكَبِّرِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا.

وَكَرَّرَ مَعْنَى الْهُبُوطِ بِقَوْلِهِ (فَاخْرُجْ) لِأَنَّ الْهُبُوطَ مِنْهَا خُرُوجٌ وَلَكِنَّهُ أَخْبَرَ بِصَغَارِهِ وَذِلَّتِهِ وَهُوَ أَنَّهُ جَزَاءٌ عَلَى تَكَبُّرِهِ قُوبِلَ بِالضِّدِّ مِمَّا اتَّصَفَ بِهِ وَهُوَ الصَّغَارُ الذي هُوَ ضِدُّ التَّكَبُّرِ.

وَالتَّكَبُّرُ تَفَعُّلٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ خُلِقَ كَبِيرًا عَظِيمًا وَلَكِنَّهُ هُوَ الَّذِي تَعَاطَى الْكِبْرَ، وَمِنْ كَلَامِ عُمَرَ: وَمَنْ تَكَبَّرَ وَعَدَا طَوْرَهُ رَهَصَهُ اللَّهُ إِلَى الْأَرْضِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت