فهرس الكتاب

الصفحة 4058 من 4059

{وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ(19)وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(20)أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(21)}

وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ، وَضَمَّنَهُ الْوَعِيدَ لَهُمْ، وَالْإِخْبَارَ بِعِلْمِهِ تَعَالَى. وَفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى نَفْيِ هَذِهِ الصِّفَةِ الشَّرِيفَةِ عَنْ آلِهَتِهِمْ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: بِالتَّاءِ مِنْ فَوْقُ فِي (تُسِرُّونَ وَتُعْلِنُونَ وَتَدْعُونَ) وَهِيَ قِرَاءَةُ: مُجَاهِدٍ، وَالْأَعْرَجِ، وَشَيْبَةَ، وَأَبِي جَعْفَرٍ، وَهُبَيْرَةَ، عَنْ عَاصِمٍ عَلَى مَعْنَى: قُلْ لَهُمْ.

وَقَرَأَ عَاصِمٌ فِي مَشْهُورِهِ: (يَدْعُونَ) بِالْيَاءِ مِنْ تَحْتُ، وَبِالتَّاءِ فِي السَّابِقَتَيْنِ.

وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَأَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ: (يَعْلَمُ الَّذِي يُبْدُونَ وَمَا يَكْتُمُونَ، وَتَدْعُونَ) بِالتَّاءِ مِنْ فَوْقُ فِي الثَّلَاثَةِ.

وَقَرَأَ طَلْحَةُ: (مَا يُخْفُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ، وَتَدْعُونَ) بِالتَّاءِ مِنْ فَوْقُ، وَهَاتَانِ الْقِرَاءَتَانِ مُخَالِفَتَانِ لِسَوَادِ الْمُصْحَفِ، وَالْمَشْهُورُ مَا رُوِيَ عَنِ الْأَعْمَشِ وَغَيْرِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُهَا عَلَى التَّفْسِيرِ، لَا عَلَى أَنَّهَا قُرْآنٌ.

وَلَمَّا أَظْهَرَ تَعَالَى التَّبَايُنَ بَيْنَ الْخَالِقِ وَغَيْرِهِ، نَصَّ عَلَى أَنَّ آلِهَتَهُمْ لَا تَخْلُقُ، وَعَلَى أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ. وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ أَمْوَاتٌ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (غَيْرُ أَحْيَاءٍ) ثُمَّ نَفَى عَنْهُمُ الشُّعُورَ الَّذِي يَكُونُ لِلْبَهَائِمِ، فَضْلًا عَنِ الْعِلْمِ الَّذِي تَتَّصِفُ بِهِ الْعُقَلَاءُ.

وَعَبَّرَ بِالَّذِينِ وَهُوَ لِلْعَاقِلِ عُومِلَ غَيْرُهُ مُعَامَلَتَهُ، لِكَوْنِهَا عُبِدَتْ وَاعْتُقِدَتْ فِيهَا الْأُلُوهِيَّةُ.

وَقَرَأَ مُحَمَّدٌ الْيَمَانِيُّ: (يُدْعَوْنَ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتَحَ الْعَيْنَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: (وَهُمْ يُخْلَقُونَ) أَيِ: اللَّهُ أَنْشَأَهُمْ وَاخْتَرَعَهُمْ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَنَّ النَّاسَ يَخْلُقُونَهُمْ بِالنَّحْتِ وَالتَّصْوِيرِ، وَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ فَهُمْ أَعْجَزُ مِنْ عَبَدَتِهِمْ انْتَهَى.

وَ (أَمْوَاتٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: هُمْ أَمْوَاتٌ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مِمَّا حَدَّثَ بِهِ عَنِ الْأَصْنَامِ، وَيَكُونُ بَعْثُهُمْ إِعَادَتُهَا بَعْدَ فَنَائِهَا.

أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) .

وَقِيلَ: مَعْنَى بَعْثِهَا إِثَارَتُهَا، كَمَا تَقُولُ: بَعَثْتُ النَّائِمَ مِنْ نَوْمِهِ إِذَا نَبَّهْتَهُ، كَأَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِغَايَةِ الْجُمُودِ أَيْ: وَإِنْ طَلَبْتَهُمْ بِالتَّحْرِيكِ أَوْ حَرَّكْتَهُمْ لَمْ يَشْعُرُوا بِذَلِكَ، وَنَفَى عَنْهُمُ الْحَيَاةَ لِأَنَّ مِنَ الْأَمْوَاتِ مَا يَعْقُبُ مَوْتَهُ حَيَاةٌ كَالنُّطَفِ الَّتِي يُنْشِئُهَا اللَّهُ حَيَوَانًا، وَأَجْسَادِ الْحَيَوَانِ الَّتِي تُبْعَثُ بَعْدَ مَوْتِهَا.

وَأَمَّا الْأَصْنَامُ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالْخَشَبِ فَأَمْوَاتٌ لَا يَعْقُبُ مَوْتَهَا حَيَاةٌ، وَذَلِكَ أَعْرَقُ فِي مَوْتِهَا.

وَقِيلَ: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ، هُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَكَانَ نَاسٌ من الكفار يعبدونهم.

و (أموات) أَيْ: لَا بُدَّ لَهُمْ مِنَ الْمَوْتِ، وَ (غَيْرُ أَحْيَاءٍ) أَيْ: غَيْرُ بَاقٍ حَيَاتُهُمْ (وَمَا يَشْعُرُونَ) أَيْ: لَا عِلْمَ لَهُمْ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ.

وَجَوَّزُوا فِي قِرَاءَةِ: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ) بِالْيَاءِ مِنْ تَحْتُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (أَوْ موت، يُرَادُ بِهِ الْكُفَّارُ الَّذِينَ ضَمِيرُهُمْ فِي:

يَدْعُونَ، شَبَّهَهُمْ بِالْأَمْوَاتِ غَيْرِ الْأَحْيَاءِ مِنْ حَيْثُ هُمْ ضُلَّالٌ. غَيْرُ مُهْتَدِينَ وَمَا بَعْدَهُ عَائِدٌ عَلَيْهِمْ، وَالْبَعْثُ الْحَشْرُ مِنْ قُبُورِهِمْ.

وَقِيلَ: فِي هَذَا التَّقْدِيرِ وَعِيدٌ أَيْ: أَيَّانَ يُبْعَثُونَ إِلَى التَّعْذِيبِ.

وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي (وَمَا يَشْعُرُونَ) لِلْأَصْنَامِ وَفِي: يُبْعَثُونَ، لِعَبَدَتِهَا. أَيْ: لَا تَشْعُرُ الْأَصْنَامُ مَتَى تُبْعَثُ عَبَدَتُهَا.

وَفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالْمُشْرِكِينَ، وَأَنَّ آلِهَتَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَقْتَ بَعْثِ عَبَدَتِهِمْ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُمْ وَقْتُ جَزَاءٍ عَلَى عِبَادَتِهِمْ.

وَتَلَخَّصَ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّ تَكُونَ الْأَخْبَارُ بِتِلْكَ الجمل كلها عن الْمَدْعُوِّينَ آلِهَةً، إِمَّا الْأَصْنَامُ، وَإِمَّا الْمَلَائِكَةُ، أَوْ يَكُونُ مِنْ قَوْلِهِ: (أَمْوَاتٌ) إِلَى آخره، إخبارا عن الكفار. أو يكون (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) فقط إخبارا عن الكفار، أو يكون (وما يشعرون) إِخْبَارًا عَنِ الْمَدْعُوِّينَ، وَ (يُبْعَثُونَ) إِخْبَارًا عَنِ الدَّاعِينَ الْعَابِدِينَ.

وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (إِيَّانَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَهِيَ لُغَةٌ قَوْمِهِ سُلَيْمٍ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: (أيَّانَ) مَعْمُولٌ لِيُبْعَثُونِ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَشْعُرُونَ، لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ. إِذْ مَعْنَاهُ الْعِلْمُ.

وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ نَفَى عَنْهُمْ عِلْمَ مَا انْفَرَدَ بِعِلْمِهِ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وَهُوَ وَقْتُ الْبَعْثِ إِذَا أُرِيدَ بِالْبَعْثِ الْحَشْرُ إِلَى الْآخِرَةِ.

وَقِيلَ: تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (وَمَا يشعرون) . و (أيان يُبْعَثُونَ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) أَخْبَرَ عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَنَّ الْإِلَهَ فِيهِ وَاحِدٌ انْتَهَى.

وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْقَوْلُ لِأَنَّ (أَيَّانَ) إِذْ ذَاكَ تَخْرُجُ عَمَّا اسْتَقَرَّ فِيهَا مِنْ كَوْنِهَا ظَرْفًا، إِمَّا اسْتِفَهَامًا، وَإِمَّا شَرْطًا.

وَفِي هَذَا التَّقْدِيرِ تَكُونُ ظَرْفًا بِمَعْنَى وَقْتٍ مُضَافًا لِلْجُمْلَةِ بَعْدَهَا، مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: (وَاحِدٌ) كَقَوْلِك: يَوْمَ يَقُومُ زَيْدٌ قَائِمٌ.

وَفِي قَوْلِهِ: (أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْبَعْثِ، وَأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ التَّكْلِيفِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت