لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ الْكُفَّارِ وَكُفْرَهُمْ نِعْمَتَهُ، وَجَعَلَهُمْ لَهُ أَنْدَادًا، وَتَهَدُّدَهُمْ أَمْرَ الْمُؤْمِنِينَ بِلُزُومِ الطَّاعَةِ وَالتَّيَقُّظِ لِأَنْفُسِهِمْ، وَإِلْزَامِ عَمُودَيِ الْإِسْلَامِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَاحْتَمَلَ الصَّلَاةَ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْعُمُومُ أَيْ: كُلُّ صَلَاةٍ فَرْضٍ وَتَطَوُّعٍ، وَأَنْ يُرَادَ بِهَا الْخَمْسُ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ: وَفَسَّرَ الْإِنْفَاقَ بِزَكَاةِ الْأَمْوَالِ.
وَتَقَدَّمَ إِعْرَابُ (سِرًّا وَعَلانِيَةً) وَشَرَحَهَا فِي أَوَاخِرِ البقرة.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْبَيْعُ هُنَا الْبَذْلُ، وَالْخِلَالُ الْمُخَالَّةُ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ خَالَلْتُ خِلَالًا وَمُخَالَّةً وَهِيَ الْمُصَاحَبَةُ انْتَهَى.
وَيَعْنِي بِالْبَذْلِ مُقَابِلَ شَيْءٍ.
وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
صَرَفْتُ الْهَوَى عَنْهُنَّ مِنْ خَشْيَةِ الرَّدَى ... وَلَسْتُ بِمُقْلِي الْخِلَالِ وَلَا قَالِ
وَقَالَ الْأَخْفَشُ: الْخِلَالُ جَمْعُ خَلَّةٍ.
وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي قِرَاءَةِ (لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ) بِالْفَتْحِ أَوْ بِالرَّفْعِ فِي الْبَقَرَةِ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْيَوْمِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ طَابَقَ الْأَمْرُ بِالْإِنْفَاقِ وَصْفَ الْيَوْمِ بِأَنَّهُ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ؟
(قُلْتُ) مِنْ قِبَلِ أَنَّ النَّاسَ يُخْرِجُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ، فَيُعْطُونَ بَدَلًا لِيَأْخُذُوا مِثْلَهُ، وَفِي الْمُكَارَمَاتِ وَمُهَادَاةِ الْأَصْدِقَاءِ لِيَسْتَخْرِجُوا بِهَدَايَاهُمْ أَمْثَالَهَا أو خيرا مِنْهَا، وَأَمَّا الْإِنْفَاقُ لِوَجْهِ اللَّهِ خَالِصًا كَقَوْلِهِ: (وَمَا لا حد عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) فَلَا يَفْعَلُهُ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ الْخُلَّصُ، فَبَعَثُوا عَلَيْهِ لِيَأْخُذُوا بَدَلَهُ فِي يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ أَيْ: لَا انْتِفَاعَ فِيهِ بِمُبَايِعَةٍ وَلَا مُخَالَّةٍ، وَلَا بِمَا يُنْفِقُونَ فِيهِ أَمْوَالَهُمْ مِنَ الْمُعَاوَضَاتِ وَالْمُكَارَمَاتِ، وَإِنَّمَا يُنْتَفَعُ فِيهِ بِالْإِنْفَاقِ لِوَجْهِ اللَّهِ انْتَهَى.