فهرس الكتاب

الصفحة 2403 من 4059

{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(14)}

وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَالَى أَخَذَ مِنَ النَّصَارَى مِيثَاقَ أنفسهم وهو الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالرُّسُلِ وَبِأَفْعَالِ الْخَيْرِ.

وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي (مِيثَاقَهُمْ) عَائِدٌ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَيَكُونُ مَصْدَرًا شَبِيهًا أَيْ: وَأَخَذْنَا مِنَ النَّصَارَى مِيثَاقًا مِثْلَ مِيثَاقِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: أُخِذَ عَلَى النَّصَارَى الْمِيثَاقُ كَمَا أُخِذَ عَلَى أَهْلِ التَّوْرَاةِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَرَكُوا مَا أُمِرُوا بِهِ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: أُخِذَ الْمِيثَاقُ عَلَيْهِمْ بِالْعَمَلِ بِالتَّوْرَاةِ، وَبِكُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ وَأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ.

وَفِي قَوْلِهِ: (قَالُوا إِنَّا نَصَارَى) تَوْبِيخٌ لَهُمْ وَزَجْرٌ عَمَّا ادَّعَوْهُ مِنْ أَنَّهُمْ ناصر ودين اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ، إِذْ جَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ مُجَرَّدَ دَعْوَى لَا حَقِيقَةً.

وَحَيْثُ جَاءَ النَّصَارَى مِنْ غَيْرِ نِسْبَةٍ إِلَى أَنَّهُمْ قَالُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْعَلَمِ لَمْ يُلْحَظْ فِيهِ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ الَّذِي قَصَدُوهُ مِنَ النَّصْرِ، كَمَا صَارَ الْيَهُودُ عَلَمًا لم يحلظ فِيهِ مَعْنَى قَوْلِهِ: (هُدْنَا إِلَيْكَ) .

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) فَهَلَّا قِيلَ: وَمَنِ النَّصَارَى؟

(قُلْتُ) لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا سَمَّوْا بِذَلِكَ أَنْفُسَهُمُ ادِّعَاءً لِنُصْرَةِ اللَّهِ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا لِعِيسَى: نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدُ إِلَى نَسْطُورِيَّةَ وَيَعْقُوبِيَّةَ وَمَلْكَانِيَّةَ انْتَهَى.

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْبَقَرَةِ أَنَّهُ قِيلَ: سُمُّوا نَصَارَى لِأَنَّهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ بِالشَّامِ تُسَمَّى نَاصِرَةً.

(فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ)

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: فِي مَكْتُوبِ الْإِنْجِيلِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَالْحَظُّ هُوَ الْإِيمَانُ بِهِ، وتنكير الحظ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ حَظٌّ وَاحِدٌ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِالرَّسُولِ، وَخُصَّ هَذَا الْوَاحِدُ بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّهُمْ تَرَكُوا أَكْثَرَ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمُعَظَّمُ وَالْمُهِمُّ.

(فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ)

الضَّمِيرُ فِي (بَيْنَهُمْ) يُعُودُ عَلَى النَّصَارَى قَالَهُ الرَّبِيعُ.

وَقَالَ الزَّجَّاجُ: النَّصَارَى مِنْهُمْ وَالنُّسْطُورِيَّة وَالْيَعْقُوبِيَّةُ وَالْمَلْكَانِيَّةُ، كُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ تُعَادِي الْأُخْرَى.

وَقِيلَ: الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، أَيْ: بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَإِنَّهُمْ أَعْدَاءٌ يَلْعَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.

(وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ)

هَذَا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ شَدِيدٌ بِعَذَابِ الْآخِرَةِ، إِذْ مُوجَبُ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا هُوَ الْخُلُودُ فِي النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت