فهرس الكتاب

الصفحة 2306 من 4059

{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا(142)}

وَمَعْنَى وَهُوَ خَادِعُهُمْ: أَيْ مُنْزِلٌ الْخِدَاعَ بِهِمْ، وَهَذِهِ عِبَارَةٌ عَنْ عُقُوبَةٍ سَمَّاهَا بِاسْمِ الذَّنْبَ. فَعُقُوبَتُهُمْ فِي الدُّنْيَا ذُلُّهُمْ وَخَوْفُهُمْ، وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابُ جَهَنَّمَ قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.

وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: هَذَا الْخِدَاعُ هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى يُعْطِي هَذِهِ الْأُمَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُورًا لِكُلِّ إِنْسَانٍ مُؤْمِنٍ أَوْ مُنَافِقٍ، فَيَفْرَحُ الْمُنَافِقُونَ وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا، فإذا جَاءُوا إِلَى الصِّرَاطِ طُفِئَ نُورُ كُلِّ مُنَافِقٍ، وَنَهَضَ الْمُؤْمِنُونَ. وَذَلِكَ قَوْلُ الْمُنَافِقِينَ: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ وَذَلِكَ هُوَ الْخِدَاعُ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُنَافِقِينَ.

(وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى)

أَيْ مُتَوَانِينَ لَا نَشَاطَ لَهُمْ فِيهَا، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُصَلُّونَ تَسَتُّرًا وَتَكَلُّفًا، وَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنْ هَذِهِ الْخَصْلَةِ الَّتِي ذَمَّ الْمُنَافِقُونَ، وَأَنْ يُقْبِلَ إِلَى صَلَاتِهِ بِنَشَاطٍ وفراغ قَلْبٍ وَتَمَهُّلٍ فِي فِعْلِهَا، وَلَا يَتَقَاعَسُ عَنْهَا فِعْلَ الْمُنَافِقِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَى كُرْهٍ لَا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ وَرَغْبَةٍ.

(يُرَاءُونَ النَّاسَ)

أَيْ يَقْصِدُونَ بِصَلَاتِهِمُ الرِّيَاءَ وَالسُّمْعَةَ وَأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ. وَهِيَ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ، يُرِي الْمُرَائِي النَّاسَ تَجَمُّلَهُ بِأَفْعَالِ الطَّاعَةِ، وَهُمْ يُرُونَهُ اسْتِحْسَانَ ذَلِكَ الْعَمَلِ.

وَقَدْ يَكُونُ مِنْ بَابِ فَاعَلَ بِمَعْنَى فَعَلَ، نَحْوَ نِعْمَةٍ وَنَاعِمَةٍ.

(وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا)

قَالَ الْحَسَنُ: قُلْ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ لِغَيْرِ اللَّهِ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: مَا مَعْنَاهُ إِنَّمَا قَلَّ لِكَوْنِهِ لَمْ يَقْبَلْهُ، وَمَا رَدَّهُ اللَّهُ فَكَثِيرُهُ قَلِيلٌ، وَمَا قَبِلَهُ فَقَلِيلُهُ كَثِيرٌ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: قُلْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خَوْضِهِمْ فِي الْبَاطِلِ وَقَوْلِهِمُ الزُّورَ وَالْكُفْرَ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِلَّا قَلِيلًا، لِأَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ قَطُّ غَائِبِينَ عَنْ عُيُونِ النَّاسِ إِلَّا مَا يُجَاهِرُونَ بِهِ، وَمَا يُجَاهِرُونَ بِهِ قَلِيلٌ، لِأَنَّهُمْ مَا وَجَدُوا مَنْدُوحَةً مِنْ تَكَلُّفِ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ لم يتكلفوه، أو لا يذكرون الله بالتسبيح

وَالتَّهْلِيلِ إِلَّا ذِكْرًا قَلِيلًا.

وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْقِلَّةِ الْعَدَمُ انْتَهَى.

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْعَدَمُ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَأْبَاهُ، وَقَدْ رَدَدْنَا هَذَا الْقَوْلَ عَلَيْهِ وَعَلَى ابْنُ عَطِيَّةَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ.

وَقِيلَ: قَلَّ لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا بِهِ الدُّنْيَا وَزَهْرَتَهَا، وَذَلِكَ فَإِنَّ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ.

وَقِيلَ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ:

وَلَا يَذْكُرُونَ عِقَابَ اللَّهِ وَثَوَابَهُ إِلَّا قَلِيلًا لِاسْتِغْرَاقِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَغَلَبَةِ الْغَفْلَةِ عَلَى قُلُوبِهِمْ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الذِّكْرَ هُنَا هُوَ بِاللِّسَانِ، وَأَنَّهُمْ قَلَّ أَنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِ الْمُخْلِصِ، فَإِنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى أَحْوَالِهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت