فهرس الكتاب

الصفحة 2782 من 4059

{وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(84)}

إِسْحاقَ ابْنُهُ لِصُلْبِهِ مِنْ سارة يَعْقُوبَ ابْنُ إِسْحَاقَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) وَعَدَّدَ تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَذَكَرَ إِيتَاءَهُ الْحُجَّةَ عَلَى قَوْمِهِ، وَأَشَارَ إِلَى رَفْعِ دَرَجَاتِهِ وَذَكَرَ مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ هِبَتِهِ لَهُ هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي تَفَرَّعَتْ مِنْهُ أَنْبِيَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْمِنَنِ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَسْلِ الرَّجُلِ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ وَلَمْ يَذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ مَعَ إِسْحَاقَ.

قِيلَ: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذِّكْرِ هُنَا أَنْبِيَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمْ بِأَسْرِهِمْ أَوْلَادُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَلَمْ يَخْرُجْ من صُلْبِ إِسْمَاعِيلَ نَبِيٌّ إِلَّا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَى الْعَرَبِ فِي نَفْيِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ بِأَنَّ جَدَّهُمْ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا كَانَ مُوَحِّدًا لِلَّهِ مُتَبَرِّئًا مِنَ الشِّرْكِ رَزَقَهُ اللَّهُ أَوَّلًا مُلُوكًا وَأَنْبِيَاءَ.

(كُلًّا هَدَيْنا)

أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ هَدَيْنَا.

(وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ)

لَمَّا ذَكَرَ شَرَفَ أَبْنَاءِ إِبْرَاهِيمَ ذَكَرَ شَرَفَ آبَائِهِ فَذَكَرَ نُوحًا الَّذِي هُوَ آدَمُ الثَّانِي وقال: (مِنْ قَبْلُ) تنبيها عَلَى قِدَمِهِ، وَفِي ذِكْرِهِ لَطِيفَةٌ وَهِيَ أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ عُبِدَتِ الْأَصْنَامُ فِي زَمَانِهِ، وَقَوْمُهُ أَوَّلُ قَوْمٍ عَبَدُوا الْأَصْنَامَ وَوَحَّدَ هُوَ اللَّهَ تَعَالَى وَدَعَا إِلَى عِبَادَتِهِ وَرَفَضَ تِلْكَ الْأَصْنَامَ وَحَكَى اللَّهُ عَنْهُ مُنَاجَاتَهُ لِرَبِّهِ فِي قَوْمِهِ حيث قالوا: (لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ عُبِدَتِ الْأَصْنَامُ فِي زَمَانِهِ وَوَحَّدَ هُوَ اللَّهَ تَعَالَى وَدَعَا إِلَى رَفْضِهَا فَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى نُوحًا وَأَنَّهُ هَدَاهُ كَمَا هَدَى إِبْرَاهِيمَ.

(وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ)

قِيلَ: وَمِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ وَلِأَنَّ فِي جُمْلَتِهِمْ لُوطًا وَهُوَ ابْنُ أَخِي إِبْرَاهِيمَ فَهُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ لَا مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ.

وَقِيلَ: وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالذِّكْرِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ مُضَافُونَ إِلَى ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَلْحَقُهُ بِوِلَادَةٍ مِنْ قِبَلِ أُمٍّ وَلَا أَبٍ، لِأَنَّ لُوطًا ابْنُ أَخِي إِبْرَاهِيمَ وَالْعَرَبُ تَجْعَلُ الْعَمَّ أَبًا.

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ: وَوَهَبْنَا لَهُ لُوطًا فِي الْمُعَاضَدَةِ وَالنُّصْرَةِ انْتَهَى.

قَالُوا: وَالْمَعْنَى وَهَدَيْنَا أَوْ وَوَهَبْنَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَقَرَنَهُمَا لِأَنَّهُمَا أَبٌ وَابْنٌ وَلِأَنَّهُمَا مَلِكَانِ نَبِيَّانِ، وَقَدَّمَ دَاوُدَ لِتُقَدُّمِهِ فِي الزَّمَانِ وَلِكَوْنِهِ صَاحِبَ كِتَابٍ وَلِكَوْنِهِ أَصْلًا لِسُلَيْمَانَ وَهُوَ فَرْعُهُ.

(وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ)

قَرَنَهُمَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الِامْتِحَانِ أَيُّوبُ بِالْبَلَاءِ فِي جَسَدِهِ وَنَبْذِ قَوْمِهِ لَهُ وَيُوسُفُ بِالْبَلَاءِ بِالسِّجْنِ وَلِغُرْبَتِهِ عَنْ أَهْلِهِ، وَفِي مَآلِهِمَا بِالسَّلَامَةِ وَالْعَافِيَةِ، وَقَدَّمَ أَيُّوبَ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ فِي الِامْتِحَانِ.

(وَمُوسى وَهارُونَ) قَرَنَهُمَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْأُخُوَّةِ وَقَدَّمَ مُوسَى لِأَنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ.

(وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)

أَيْ مِثْلَ ذَلِكَ الْجَزَاءِ مِنْ إِيتَاءِ الْحُجَّةِ وَهِبَةِ الْأَوْلَادِ الْخَيِّرِينَ نَجْزِي مَنْ كَانَ مُحْسِنًا فِي عِبَادَتِنَا مُرَاقِبًا فِي أَعْمَالِهِ لَنَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت