فهرس الكتاب

الصفحة 3448 من 4059

{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(103)}

الْخِطَابُ لِلرَّسُولِ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الَّذِينَ خَلَطُوا

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أَمْوَالُنَا الَّتِي خَلَّفَتْنَا عَنْكَ فَتَصَدَّقْ بِهَا وَطَهِّرْنَا، فَقَالَ: «مَا أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ شَيْئًا» فَنَزَلَتْ.

فَيُرْوَى أَنَّهُ أَخَذَ ثُلُثَ أَمْوَالِهِمْ مُرَاعَاةً لِقَوْلِهِ: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ.

وَالَّذِي تَظَاهَرَتْ بِهِ أَقْوَالُ الْمُتَأَوِّلِينَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ: أَنَّهَا فِي هَؤُلَاءِ الْمُتَخَلِّفِينَ.

وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ. فَقَوْلُهُ: عَلَى هَذَا (مِنْ أَمْوَالِهِمْ) هُوَ لِجَمِيعِ الْأَمْوَالِ، وَالنَّاسُ عَامٌّ يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ فِي الْأَمْوَالِ، إِذْ يَخْرُجُ عَنْهُ الْأَمْوَالُ الَّتِي لَا زَكَاةَ فِيهَا كَالرَّبَاعِ وَالثِّيَابِ.

وَفِي الْمَأْخُوذِ مِنْهُمْ كالعبيد، وصدقة مُطْلَقٌ، فَتَصْدُقُ بِأَدْنَى شَيْءٍ. وَإِطْلَاقُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ فَيَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ.

وَفِي قَوْلِهِ: (خُذْ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى أَخْذَ الصَّدَقَاتِ وَيَنْظُرُ فيها.

وَالتَّزْكِيَةُ مُبَالَغَةٌ فِي التَّطَهُّرِ وَزِيَادَةٌ فِيهِ، أَوْ بِمَعْنَى الْإِنْمَاءِ وَالْبَرَكَةِ فِي الْمَالِ.

وَقَرَأَ الْحَسَنُ: (تُطْهِرُهُمْ) مِنْ أَطْهَرَ وَاطَّهَّرَ وَطَهَّرَ لِلتَّعْدِيَةِ مَنْ طَهُرَ.

(وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) أَيْ ادْعُ لَهُمْ، أَوِ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ، أَوْ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِذَا مَاتُوا، أَقْوَالٌ.

وَمَعْنَى سَكَنٌ: طُمَأْنِينَةٌ لَهُمْ، أَنَّ اللَّهَ قَبِلَ صَدَقَتَهُمْ قَالَهُ: ابْنُ عَبَّاسٍ. أَوْ رَحْمَةٌ لَهُمْ قَالَهُ أَيْضًا، أَوْ قُرْبَةٌ قَالَهُ أَيْضًا، أَوْ زِيَادَةُ وَقَارٍ لَهُمْ قَالَهُ: قَتَادَةُ، أَوْ تَثْبِيتٌ لِقُلُوبِهِمْ قَالَهُ: أَبُو عُبَيْدَةَ، أَوْ أَمْنٌ لَهُمْ. قَالَ:

يَا جَارَةَ الْحَيِّ إِنْ لَا كُنْتِ لِي سَكَنًا ... إِذْ لَيْسَ بَعْضٌ مِنَ الْجِيرَانِ أَسْكَنَنِي

وَهَذِهِ أَقْوَالٌ مُتَقَارِبَةٌ.

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: إنما كانت صلاته سَكَنًا لَهُمْ لِأَنَّ رُوحَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ رُوحًا قَوِيَّةً مُشْرِقَةً صَافِيَةً، فَإِذَا دَعَا لَهُمْ وَذَكَرَهُمْ بِالْخَيْرِ ثَارَتْ آثَارٌ مِنْ قُوَّتِهِ الرُّوحَانِيَّةِ عَلَى أَرْوَاحِهِمْ فَأَشْرَقَتْ بِهَذَا السَّبَبِ أَرْوَاحُهُمْ، وَصَفَتْ سَرَائِرُهُمْ، وَانْقَلَبُوا مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى النُّورِ، وَمِنَ الْجُسْمَانِيَّةِ إِلَى الرُّوحَانِيَّةِ.

قَالَ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ محمد بْنُ سُلَيْمَانَ عُرِفَ بِابْنِ النَّقِيبِ فِي كِتَابِهِ التَّحْرِيرِ وَالتَّحْبِيرِ: كَلَامُ الرَّازِيُّ كَلَامٌ فَلْسَفِيٌّ يُشِيرُ فِيهِ إِلَى أَنَّ قُوَى الْأَنْفُسِ مُؤَثِّرَةٌ فَعَّالَةٌ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ انْتَهَى.

وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: فِي هَؤُلَاءِ الْمُعْتَرِفِينَ الْمَأْخُوذِ مِنْهُمُ الصَّدَقَةَ هُمْ سِوَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.

وَقَرَأَ الْأَخَوَانِ وَحَفْصٌ: (إِنَّ صَلَاتَكَ) هُنَا، وَفِي هُودٍ (صَلَاتَكَ) بِالتَّوْحِيدِ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِالْجَمْعِ.

(وَاللَّهُ سَمِيعٌ) بِاعْتِرَافِهِمْ (عَلِيمٌ) بِنَدَامَتِهِمْ وَتَوْبَتِهِمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت