فهرس الكتاب

الصفحة 4047 من 4059

{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(8)}

وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مِنَنَهُ بِالْأَنْعَامِ وَمَنَافِعَهَا الضَّرُورِيَّةِ، ذَكَرَ الِامْتِنَانَ بِمَنَافِعِ الْحَيَوَانِ الَّتِي لَيْسَتْ بِضَرُورِيَّةٍ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: (وَالْخَيْلَ) وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى وَالْأَنْعَامَ.

وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ.

وَلَمَّا كَانَ الرُّكُوبُ أَعْظَمَ مَنَافِعِهَا اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لكل الْخَيْلِ، خِلَافًا لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ.

وَانْتَصَبَ (وَزِينَةً) وَلَمْ يَكُنْ بِاللَّامِ، وَوُصِلَ الْفِعْلُ إِلَى الرُّكُوبِ بِوَسَاطَةِ الْحَرْفِ، وَكِلَاهُمَا مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: خَلَقَهَا، وَالرُّكُوبُ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ لَهُمْ ذَلِكَ فَانْتَفَى شَرْطُ النَّصْبِ، وَهُوَ: اتِّحَادُ الْفَاعِلِ، فَعُدِّيَ بِاللَّامِ.

وَالزِّينَةُ مِنْ وَصْفِ الْخَالِقِ، فَاتَّحَدَ الْفَاعِلُ، فَوَصَلَ الْفِعْلُ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (وَزِينَةً) نُصِبَ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وَجَعَلْنَاهَا زِينَةً.

وَرَوَى قَتَادَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (لِتَرْكَبُوهَا زِينَةً) بِغَيْرِ وَاوٍ.

قَالَ صَاحِبُ اللَّوَامِحِ: وَالزِّينَةُ مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقَامَ الِاسْمِ، وَانْتِصَابُهُ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي خَلَقَهَا، أَوْ مِنْ لِتَرْكَبُوهَا.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَيْ وَخَلَقَهَا زِينَةً لِتَرْكَبُوهَا، أَوْ يَجْعَلُ زِينَةً حَالًا مِنْ هَاءِ، وَخَلَقَهَا لِتَرْكَبُوهَا وَهِيَ زِينَةٌ وَجَمَالٌ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالنَّصْبُ حِينَئِذٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْهَاءِ فِي (تَرْكَبُوهَا) .

وَالظَّاهِرُ نَفْيُ الْعِلْمِ عَنْ ذَوَاتِ مَا يَخْلُقُ تَعَالَى، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْمَعْنَى مَا لَا تَعْلَمُونَ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ الَّتِي خَلَقَهَا كُلَّهَا لِمَنَافِعِكُمْ، فَأَخْبَرَنَا بِأَنَّ لَهُ مِنَ الْخَلَائِقِ مَا لَا عِلْمَ لَنَا بِهِ، لِنَزْدَادَ دَلَالَةً عَلَى قُدْرَتِهِ بِالْإِخْبَارِ، وَإِنْ طَوَى عَنَّا عِلْمَهُ حِكْمَةً لَهُ فِي طَيِّهِ، وَمَا خَلَقَ تَعَالَى مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ لَا يُحِيطُ بِعِلْمِهِ بَشَرٌ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: مَا لَا تَعْلَمُونَ، أَصْلَ حُدُوثِهِ كَالسُّوسِ فِي النَّبَاتِ وَالدُّودِ فِي الْفَوَاكِهِ.

وَقَالَ ابْنُ بحر: لا تَعْلَمُونَ كَيْفَ يَخْلُقُهُ.

وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ فِي الْجَنَّةِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.

قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَزَادَ بَعْدُ فِي الْجَنَّةِ وَفِي النَّارِ لِأَهْلِهَا، وَالْبَاقِي بِالْمَعْنَى.

وَرُوِيَتْ تَفَاسِيرُ فِي: مَا لَا تَعْلَمُونَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وَالشَّعْبِيِّ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا.

وَيُقَالُ: لَمَّا ذَكَرَ الْحَيَوَانَ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفَاعًا ضَرُورِيًّا وَغَيْرَ ضَرُورِيٍّ، أَعْقَبَ بِذَكَرِ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ غَالِبًا عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، إِذْ تَفَاصِيلُهُ خَارِجَةٌ عَنِ الْإِحْصَاءِ وَالْعَدِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت