فهرس الكتاب

الصفحة 379 من 4059

{وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ(60)}

فَانْفَجَرَتْ: الْفَاءُ لِلْعَطْفِ عَلَى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، التَّقْدِيرُ: فَضَرَبَ فَانْفَجَرَتْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ) أَيْ فَضَرَبَ فَانْفَلَقَ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَحْذُوفِ وُجُودُ الِانْفِجَارِ مُرَتَّبًا عَلَى ضَرْبِهِ، إِذْ لَوْ كَانَ يَتَفَجَّرُ دُونَ ضَرْبٍ، لَمَا كَانَ لِلْأَمْرِ فَائِدَةٌ، وَلَكَانَ تَرْكُهُ عِصْيَانًا، وَهُوَ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

وَجَاءَ هُنَا: (انفجرت) وفي الأعراف: (فَانْبَجَسَتْ) ، فَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ، انْفَجَرَ وَانْبَجَسَ وَانْشَقَّ مُتَرَادِفَاتٌ.

وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَهُوَ أَنَّ الِانْبِجَاسَ هُوَ أَوَّلُ خُرُوجِ الْمَاءِ، وَالِانْفِجَارَ اتِّسَاعُهُ وَكَثْرَتُهُ.

وَقِيلَ: الِانْبِجَاسُ خُرُوجُهُ مِنَ الصُّلْبِ، وَالِانْفِجَارُ خُرُوجُهُ مِنَ اللَّيِّنِ.

وَقِيلَ: الِانْبِجَاسُ هُوَ الرَّشْحُ، وَالِانْفِجَارُ هُوَ السَّيَلَانُ، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ اسْتِعْمَالُهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، لِأَنَّ الْآيَتَيْنِ قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ.

وَفِي هَذَا الِانْفِجَارِ مِنَ الْإِعْجَازِ ظُهُورُ نَفْسِ الْمَاءِ مَنْ حَجَرٍ لَا اتِّصَالَ لَهُ بِالْأَرْضِ، فَتَكُونُ مَادَّتُهُ مِنْهَا، وَخُرُوجُهُ كَثِيرًا مِنْ حَجَرٍ صَغِيرٍ، وَخُرُوجُهُ بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ، وَخُرُوجُهُ عِنْدَ الضَّرْبِ بِالْعَصَا، وَانْقِطَاعُهُ عِنْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ.

(لطيفة)

قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللَّطَائِفِ: خَلَقَ اللَّهُ الْحِجَارَةَ وَأَوْدَعَهَا صَلَابَةً يُفَرَّقُ بِهَا أَجْزَاءٌ كَثِيرَةٌ مِمَّا صَلُبَ مِنَ الْجَوَامِدِ، وَخَلَقَ الْأَشْجَارَ رَطْبَةَ الْغُصُونِ، لَيْسَتْ لَهَا قُوَّةُ الْأَحْجَارِ، فَتُؤَثِّرُ فِيهَا تَفْرِيقًا بأجزائها ولا تفجيرا لعيون مائها، بَلِ الْأَحْجَارُ تُؤَثِّرُ فِيهَا. فَلَمَّا أُيِّدَتْ بِقُوَّةِ النُّبُوَّةِ، انْفَلَقَتْ بِهَا الْبِحَارُ، وَتَفَرَّقَتْ بِهَا أَجْزَاءُ الْأَحْجَارِ، وَسَالَتْ بِهَا الْأَنْهَارُ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ. اهـ

وَإِضَافَةُ الْمَشْرَبِ إِلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ لَمَّا تَخَصَّصَ كُلُّ مَشْرَبٍ بِمَنْ تَخَصَّصَ بِهِ صَارَ كَأَنَّهُ مِلْكٌ لَهُمْ،

وَأَعَادَ الضَّمِيرَ فِي (مَشْرَبِهِمْ) عَلَى مَعْنَى كُلُّ لَا عَلَى لَفْظِهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ عَلَى لَفْظِهَا، فَيُقَالُ: مَشْرَبَهُ، لِأَنَّ مُرَاعَاةَ الْمَعْنَى هُنَا لَازِمَةٌ، لِأَنَّ (كُلُّ) قَدْ أُضِيفَتْ إِلَى نَكِرَةٍ، وَمَتَى أُضِيفَتْ إِلَى نَكِرَةٍ وَجَبَ مُرَاعَاةُ الْمَعْنَى، فَتُطَابِقُ مَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِ فِي عَوْدِ ضَمِيرٍ وَغَيْرِهِ.

قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ) .

وَقَالَ الشَّاعِرُ:

وَكُلُّ أُنَاسٍ قَارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ... وَنَحْنُ حَلَلْنَا قَيْدَهُ فَهُوَ سَارِبُ

وَقَالَ:

وَكُلُّ أُنَاسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهُمْ ... دُوَيْهِيَّةُ تَصْفَرُّ مِنْهَا الْأَنَامِلُ

وَقَالَ تَعَالَى: (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) ، وَتَقُولُ: كُلُّ رَجُلَيْنِ يَقُولَانِ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا مُرَاعَاةُ لَفْظِ كُلُّ، وَثَمَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَشْرَبُهُمْ مِنْهَا: أَيْ مِنَ الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَيْنًا.

وَنُصَّ عَلَى الْمَشْرَبِ تَنْبِيهًا عَلَى الْمَنْفَعَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْحَيَاةِ، وَإِنْ كَانَ سَرْدُ الْكَلَامِ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ عَيْنَهُمْ، لَكِنْ فِي ذِكْرِ الْمَشْرَبِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَسْوِيغِ الشُّرْبِ لَهُمْ مِنْهَا أُنْشِئَ لَهُمُ الْأَمْرُ بِالْأَكْلِ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَالشُّرْبِ مِنْ هَذِهِ الْعُيُونِ، أَوْ أُمِرُوا بِالدَّوَامِ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ كَانَتْ مَعْلُومَةً مِنْ غَيْرِ هَذَا الْأَمْرِ، وَالْأَمْرُ بِالْوَاقِعِ أَمْرٌ بِدَوَامِهِ، كَقَوْلِكَ لِلْقَائِمِ: قُمْ. كُلُوا وَاشْرَبُوا: هُوَ عَلَى إِضْمَارِ قَوْلٍ، أَيْ وَقُلْنَا لَهُمْ، وَهَذَا الْأَمْرُ أَمْرُ إِبَاحَةٍ.

قَالَ السُّلَمِيُّ: مَشْرَبُ كُلِّ أَحَدٍ حَيْثُ أَنْزَلَهُ رَائِدُهُ، فَمَنْ رَائِدُهُ نَفْسُهُ مَشْرَبُهُ الدُّنْيَا، أَوْ قَلْبُهُ فَمَشْرَبُهُ الْآخِرَةُ، أَوْ سِرُّهُ فَمَشْرَبُهُ الْجَنَّةُ، أَوْ رُوحُهُ فَمَشْرَبُهُ السَّلْسَبِيلُ، أَوْ رَبُّهُ فَمَشْرَبُهُ الْحَضْرَةُ عَلَى الْمُشَاهَدَةِ حَيْثُ يَقُولُ: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا، طَهَّرَهُمْ بِهِ عَنْ كُلِّ مَا سواه، وبدئ بِالْأَكْلِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ أَوَّلًا، وَثَنَّى بِالشُّرْبِ لِأَنَّ الِاحْتِيَاجَ إِلَيْهِ حَاصِلٌ عَنِ الْأَكْلِ، وَلِأَنَّ ذِكْرَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى مُتَقَدِّمٌ عَلَى انْفِجَارِ الْمَاءِ.

(كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ)

وَلَمَّا كَانَ مَطْعُومُهُمْ وَمَشْرُوبُهُمْ لَا كُلْفَةَ عَلَيْهِمْ وَلَا تَعَبَ فِي تَحْصِيلِهِ حَسُنَتْ إِضَافَتُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَتْ جَمِيعُ الْأَرْزَاقِ مَنْسُوبَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّا تَسَبَّبَ الْعَبْدُ فِي كَسْبِهَا أَمْ لَا، وَاخْتُصَّ بِالْإِضَافَةِ لِلَفْظِ اللَّهِ، إِذْ هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الَّذِي لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ، الْجَامِعُ لِسَائِرِ الْأَسْمَاءِ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ، قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ، أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، ومَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟

(فائدة)

قَالَ الْقُشَيْرِيُّ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِذِ اسْتَسْقى) الْآيَةَ أَنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلَى إِخْرَاجِ الْمَاءِ مِنَ الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ كَانَ قَادِرًا عَلَى إَرْوَائِهِمْ بِغَيْرِ مَاءٍ، وَلَكِنْ لِإِظْهَارِ أَثَرِ الْمُعْجِزَةِ فِيهِ، وَاتِّصَالِ مَحَلِّ الِاسْتِعَانَةِ إِلَيْهِ، وَلِيَكُونَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي فَضْلِ الْحَجَرِ مَعَ نَفْسِهِ شُغْلٌ، وَلِتَكْلِيفِهِ أَنْ يَضْرِبَ بِالْعَصَا، نَوْعٌ مِنَ الْمُعَالَجَةِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ سِبْطٍ جَارِيًا عَلَى سَنَنِهِ، غَيْرَ مُزَاحِمٍ لِصَاحِبِهِ، وَحِينَ كَفَاهُمْ مَا طَلَبُوهُ أَمَرَهُمْ بِالشُّكْرِ وَحِفْظِ الْأَمْرِ وَتَرْكِ احْتِقَابِ الْوِزْرِ، فَقَالَ: وَلا تَعْثَوْا. وَالْمَنَاهِلُ مُخْتَلِفَةٌ، وَكُلٌّ يَرِدُ مَشْرَبَهُ: فَمَشْرَبٌ فُرَاتٌ، وَمَشْرَبٌ أُجَاجٌ، وَمَشْرَبٌ صَافٍ، وَمَشْرَبٌ رَنْقٌ، وَسِيَاقُ كُلِّ قَوْمٍ يَقُودُهُمْ، فَالنُّفُوسُ تَرِدُ مَنَاهِلَ الْمُنَى، وَالْقُلُوبُ تَرِدُ مَشَارِبَ التُّقَى، وَالْأَرْوَاحُ تَرِدُ مَنَاهِلَ الْكَشْفِ، وَالْمُشَاهَدَاتُ وَالْأَسْرَارُ تَرِدُ مَنَاهِلَ الْحَقَائِقِ بِالِاخْتِطَافِ مِنْ حَقِيقَةِ الْوَحْدَةِ وَالذَّاتِ. انْتَهَى كَلَامُهُ مُلَخَّصًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت