لَمَّا أَنْذَرَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَأَمَرَهُمْ بِإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ذَكَرُوا أَنَّهُ مُمَاثِلُهُمْ فِي الْبَشَرِيَّةِ، وَاسْتَبْعَدُوا أَنْ يبعث الله رسولا من الْبَشَرِ، وَكَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى مَذْهَبِ الْبَرَاهِمَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ الْبَشَرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، ثُمَّ عَيَّرُوهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَّبِعْهُ إِلَّا الْأَرَاذِلُ أَيْ: فَنَحْنُ لَا نُسَاوِيهِمْ، ثُمَّ نَفَوْا أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَضْلٌ. أَيْ: أَنْتَ مُسَاوِينَا فِي الْبَشَرِيَّةِ وَلَا فَضْلَ لَكَ عَلَيْنَا، فَكَيْفَ امْتَزْتَ بِأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؟
وَفِي قَوْلِهِ: (إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا) مُبَالَغَةٌ فِي الْإِخْبَارِ، وَكَأَنَّهُ مُؤْذِنٌ بِتَأْكِيدِ حَصْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ، وَأَنَّهُمْ هُمُ الْأَرَاذِلُ لَمْ يَشْرَكْهُمْ شَرِيفٌ فِي ذَلِكَ.
وَفِي الْحَدِيثِ «إِنَّهُمْ كَانُوا حَاكَةً وَحَجَّامِينَ»
وَقَالَ النَّحَّاسُ: هُمُ الْفُقَرَاءُ وَالَّذِينَ لَا حَسَبَ لهم، والخسيسو الصِّنَاعَاتِ.
وَفِي حَدِيثِ هِرَقْلَ: «أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقَالَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَقَالَ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ قَبْلُ» وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِاسْتِيلَاءِ الرِّئَاسَةِ عَلَى الْأَشْرَافِ وَصُعُوبَةِ الِانْفِكَاكِ عَنْهَا، وَالْأَنَفَةِ مِنَ الِانْقِيَادِ لِغَيْرِهِمْ، وَالْفَقِيرُ خَلِيٌّ عَنْ تِلْكَ الْمَوَانِعِ فَهُوَ سَرِيعٌ إِلَى الْإِجَابَةِ وَالِانْقِيَادِ.
وَ (نَرَاكَ) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً، وَأَنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً.
قَالُوا: وَأَرَاذِلُ جَمْعُ الْجَمْعِ، فَقِيلَ: جَمْعُ أَرْذُلٍ كَكَلْبٍ وَأَكْلُبٍ وَأَكَالِبٍ.
وَقِيلَ: جَمْعُ أَرْذَالٍ، وَقِيَاسُهُ أَرَاذِيلُ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَمْعُ أَرْذَلَ الَّتِي هِيَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ وَجَاءَ جَمْعًا، كَمَا جَاءَ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا وَأَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا) تَعْرِيضٌ بِأَنَّهُمْ أَحَقُّ مِنْهُ بِالنُّبُوَّةِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ لَجَعَلَهَا فِيهِمْ، فَقَالُوا: هَبْ أَنَّكَ وَاحِدٌ مِنَ الْمَلَأِ وَمُوَازِيهِمْ فِي الْمَنْزِلَةِ، فَمَا جَعَلَكَ أَحَقَّ مِنْهُمْ؟ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِمْ: (وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ) أَوْ أَرَادُوا أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَلَكًا لَا بَشَرًا، وَلَا يَظْهَرُ مَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الْآيَةِ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَعِيسَى الثقفي: (بادئ الرَّأْيِ) مِنْ بَدَأَ يَبْدَأُ وَمَعْنَاهُ: أَوَّلُ الرَّأْيِ.
وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ: بَادِي بِالْيَاءِ مِنْ بَدَا يَبْدُو، وَمَعْنَاهُ ظَاهِرُ الرَّأْيِ.
وَقِيلَ: بَادِي بالياء معناه بادئ بِالْهَمْزِ، فَسُهِّلَتِ الْهَمْزَةُ بِإِبْدَالِهَا يَاءً لِكَسْرِ مَا قَبْلَهَا. وَذَكَرُوا أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ،
وَالْعَامِلُ فِيهِ نَرَاكَ أَوِ اتَّبَعَكَ أَوْ أَرَاذِلُنَا. أَيْ: وَمَا نَرَاكَ فِيمَا يَظْهَرُ لَنَا مِنَ الرَّأْيِ، أَوْ فِي أَوَّلِ رَأْيِنَا، أَوْ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ أَوَّلَ رَأْيِهِمْ، أَوْ ظَاهِرُ رَأْيِهِمْ.
وَاحْتَمَلَ هَذَا الْوَجْهُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ اتَّبَعَكَ فِي ظَاهِرِ أَمْرِهِمْ، وَعَسَى أَنْ تَكُونَ بَوَاطِنُهُمْ لَيْسَتْ مَعَكَ.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ اتَّبَعُوكَ بِأَوَّلِ نَظَرٍ وَبِالرَّأْيِ الْبَادِئِ دُونَ تَعَقُّبٍ، وَلَوْ تَثَبَّتُوا لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ ذَمُّ الرَّأْيِ غَيْرِ الْمَرْوِيِّ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اتَّبَعُوكَ أَوَّلَ الرَّأْيِ، أَوْ ظَاهِرَ الرَّأْيِ، وَانْتِصَابُهُ عَلَى الظَّرْفِ أَصْلُهُ وَقْتَ حُدُوثِ أَوَّلِ أَمْرِهِمْ، أَوْ وَقْتَ حُدُوثِ ظَاهِرِ رَأْيِهِمْ، فَحُذِفَ ذَلِكَ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، أَرَادُوا أَنَّ اتِّبَاعَهُمْ لَكَ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ عَنَّ لَهُمْ بَدِيهَةً مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ وَنَظَرٍ انْتَهَى.
وَإِذَا كَانَ الْعَامِلُ (أَرَاذِلُنَا) فَمَعْنَاهُ الَّذِينَ هُمْ أراذلنا بأدل نَظَرٍ فِيهِمْ، وَبِبَادِئِ الرَّأْيِ يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُمْ.
وَقِيلَ: بَادِيَ الرَّأْيِ نَعْتٌ لِقَوْلِهِ: (بَشَرًا) .
وَقِيلَ: انْتَصَبَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ نُوحٍ فِي اتَّبَعَكَ، أَيْ: وَأَنْتَ مَكْشُوفُ الرَّأْيِ لَا حَصَافَةَ لَكَ.
وَقِيلَ: انْتَصَبَ عَلَى النِّدَاءِ لنوح أَيْ: يَا بَادِيَ الرَّأْيِ، أَيْ مَا فِي نَفْسِكَ مِنَ الرَّأْيِ ظَاهِرٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، قَالُوا: ذَلِكَ تَعْجِيزًا لَهُ.
وَقِيلَ: انْتَصَبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَجَاءَ الظَّرْفُ وَالْمَصْدَرُ عَلَى فَاعِلٍ، وَلَيْسَ بِالْقِيَاسِ. فَالرَّأْيُ هُنَا إِمَّا مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ، وَإِمَّا مِنَ الْفِكْرِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَإِنَّمَا اسْتَرْذَلُوا الْمُؤْمِنِينَ لِفَقْرِهِمْ وَتَأَخُّرِهِمْ فِي الْأَسْبَابِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا جُهَّالًا مَا كَانُوا يَعْلَمُونَ إِلَّا ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَكَانَ الْأَشْرَفُ عِنْدَهُمْ مَنْ لَهُ جَاهٌ وَمَالٌ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ الْخِطَابِ في (لكم) شامل لنوح وَمَنِ اتَّبَعَهُ، وَالْمَعْنَى: لَيْسَ لَكُمْ عَلَيْنَا زِيَادَةٌ فِي مال، ولا نسب، وَلَا دِينٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ.
وَقِيلَ: بِكَثْرَةِ الْمُلْكِ وَالْمِلْكِ.
وَقِيلَ: بِمُتَابَعَتِكُمْ نُوحًا وَمُخَالَفَتِكُمْ لَنَا.
وَقِيلَ: مِنْ شَرَفٍ يُؤَهِّلُكُمْ لِلنُّبُوَّةِ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَظُنُّكُمْ نَتَيَقَّنُكُمْ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَحْسَبُكُمْ أَيْ فِي دَعْوَى نُوحٍ وَتَصْدِيقِكُمْ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِتِيَّانِ: بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ تَوَسُّلًا إِلَى الرِّئَاسَةِ وَالشُّهْرَةِ.