قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ) الْوَارِدَةُ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ.
قَالَ الْإِشَارَةُ بِتِلْكَ إِلَى هَذِهِ الْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ تَعْذِيبَ الكفارة وَتَنْعِيمَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ نَتْلُوهَا بِالنُّونِ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِفَاتِ، لِمَا فِي إِسْنَادِ التِّلَاوَةِ لِلْمُعَظَّمِ ذَاتُهُ مِنَ الْفَخَامَةِ وَالشَّرَفِ.
وَمَعْنَى التِّلَاوَةِ: الْقِرَاءَةُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَإِسْنَادُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، إِذِ التَّالِي هُوَ جِبْرِيلُ لَمَّا أَمَرَهُ بِالتِّلَاوَةِ كَانَ كَأَنَّهُ هُوَ التَّالِي تَعَالَى.
وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى يَتْلُوهَا يُنَزِّلُهَا مُتَوَالِيَةً شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
وَمَعْنَى (بِالْحَقِّ) أَيْ بِإِخْبَارِ الصِّدْقِ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى مُتَضَمِّنَةُ الْأَفَاعِيلَ الَّتِي هِيَ أَنْفُسُهَا حَقٌّ مِنْ كَرَامَةِ قَوْمٍ وَتَعْذِيبِ آخَرِينَ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُلْتَبِسَةٌ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ مِنْ جَزَاءِ الْمُحْسِنِ وَالْمُسِيءِ بِمَا يَسْتَوْجِبَانِهِ انْتَهَى.
فَدَسَّ فِي قَوْلِهِ بِمَا يَسْتَوْجِبَانِهِ دَسِيسَةً اعْتِزَالِيَّةً.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُرِيدُ الظُّلْمَ، وَإِذَا لَمْ يُرِدْهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ لِأَحَدٍ. فَمَا وَقَعَ مِنْهُ تَعَالَى مِنْ تَنْعِيمِ قَوْمٍ وَتَعْذِيبٍ آخَرَيْنِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الظُّلْمِ، وَالظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا يَزِيدُ فِي إِسَاءَةِ الْمُسِيءِ وَلَا يُنِقُصُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ تَسْوِيدَ الْوُجُوهِ عَدْلٌ انْتَهَى.
وَلِلْعَالَمِينَ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ ظُلْمٌ، وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ مَعَ الْمَصْدَرِ التَّقْدِيرُ: ظُلْمُهُ، وَالْعَائِدُ هُوَ ضَمِيرُ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ: لَيْسَ اللَّهُ مُرِيدًا أَنْ يَظْلِمَ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ. وَنَكَّرَ ظُلْمًا لِأَنَّهُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَهُوَ يَعُمُّ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُرِيدُ ظُلْمَ الْعَالَمِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ.
وَاللَّفْظُ يَنْبُو عَنْ هَذَا الْمَعْنَى، إِذْ لَوْ كَانَ هَذَا الْمَعْنَى مُرَادًا لَكَانَ مِنْ أَحَقَّ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ، فَكَانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا مِنَ الْعَالَمِينَ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا) فَيَأْخُذُ أَحَدًا بِغَيْرِ جُرْمٍ، أَوْ يَزِيدُ فِي عِقَابِ مُجْرِمٍ، أَوْ يُنْقِصُ مِنْ ثَوَابِ مُحْسِنٍ، ثُمَّ قَالَ: فَسُبْحَانَ مَنْ يَحْلُمُ عَنْ مَنْ يَصِفُهُ بِإِرَادَةِ الْقَبَائِحِ وَالرِّضَا بِهَا، انْتَهَى كَلَامُهُ جَارِيًا عَلَى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزَالِيِّ.
وَنَقُولُ لَهُ: فَسُبْحَانُ مَنْ يَحْلُمُ عَمَّنْ يَصِفُهُ بِأَنْ يَكُونَ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ، وَأَنَّ إِرَادَةَ الْعَبْدِ تَغْلِبُ إِرَادَةَ الرَّبِّ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.