فهرس الكتاب

الصفحة 600 من 4059

{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ(119)}

(بَشِيرًا وَنَذِيرًا)

وَعَدَلَ إِلَى فَعِيلٍ لِلْمُبَالَغَةِ، لِأَنَّ فَعِيلًا مِنْ صِفَاتِ السَّجَايَا، وَالْعَدْلُ فِي بَشِيرٍ لِلْمُبَالَغَةِ، مَقِيسٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، إِذَا جَعَلْنَاهُ مِنْ بَشَّرَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا بِشْرٌ مُخَفَّفًا، وَلَيْسَ مَقِيسًا فِي نَذِيرٍ لِأَنَّهُ مِنْ أَنْذَرَ، وَلَعَلَّ مُحَسِّنَ الْعَدْلِ فِيهِ كَوْنُهُ مَعْطُوفًا عَلَى مَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَسُوغُ فِي الْكَلِمَةِ مَعَ الِاجْتِمَاعِ مَعَ مَا يُقَابِلُهَا مَا لَا يَسُوغُ فِيهَا لَوِ انْفَرَدَتْ، كَمَا قَالُوا: أَخَذَهُ مَا قَدَّمَ وَمَا حَدَثَ وشبهه.

وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ: قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ: بِضَمِّ التَّاءِ وَاللَّامِ.

وقرأ أبي: وَمَا تُسْأَلُ.

وَقَرَأَ نَافِعٌ وَيَعْقُوبُ: وَلَا تَسْأَلْ، بِفَتْحِ التَّاءِ وَجَزْمِ اللَّامِ، وَذَلِكَ عَلَى النَّهْيِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ نَهْيٌ حَقِيقَةً، نُهِيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ أَحْوَالِ الْكُفَّارِ.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: «لَيْتَ شِعْرِي مَا فَعَلَ أَبَوَايَ» ، فَنَزَلَتْ.

وَاسْتُبْعِدَ فِي الْمُنْتَخَبِ هَذَا، لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُمَا.

وَقَدْ ذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّهُمَا أُحْيِيَا لَهُ فَأَسْلَمَا.

وَقَدْ صَحَّ أَنَّ اللَّهَ أَذِنَ لَهُ فِي زِيَارَتِهِمَا، وَاسْتُبْعِدَ أَيْضًا ذَلِكَ، لِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَائِدٌ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ، الَّذِينَ جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وَكَفَرُوا عِنَادًا، وَأَصَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ. وَكَذَلِكَ جَاءَ بَعْدَهُ: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى إِلَّا إِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِانْقِطَاعِ مِنَ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ، وَيَكُونُ مِنْ تَلْوِينِ الْخِطَابِ وَهُوَ بَعِيدٌ.

وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ نَهْيًا حَقِيقَةً، بَلْ جَاءَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ تَعْظِيمِ مَا وَقَعَ فِيهِ أَهْلُ الْكُفْرِ مِنَ الْعَذَابِ، كَمَا تَقُولُ: كَيْفَ حَالُ فُلَانٍ، إِذَا كَانَ قَدْ وَقَعَ فِي بَلِيَّةٍ، فَيُقَالُ لَكَ: لَا تَسْأَلْ عَنْهُ.

وَوَجْهُ التَّعْظِيمِ: أَنَّ الْمُسْتَخْبِرَ يَجْزَعُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ مَا ذَلِكَ الشَّخْصُ فِيهِ لِفَظَاعَتِهِ، فَلَا تَسْأَلْهُ وَلَا تُكَلِّفْهُ مَا يُضْجِرُهُ، أَوْ أَنْتَ يَا مُسْتَخْبِرُ لَا تَقْدِرُ عَلَى اسْتِمَاعِ خَبَرِهِ لِإِيحَاشِهِ السَّامِعَ وَإِضْجَارِهِ، فَلَا تَسْأَلْ، فَيَكُونُ مَعْنَى التَّعْظِيمِ: إِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُجِيبِ، وَإِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُجَابِ، وَلَا يُرَادُ بِذَلِكَ حَقِيقَةُ النَّهْيِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت