مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا، أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ جَزَاءَ مَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا مِنَ الْعُقُوبَاتِ الْأَرْبَعِ، وَالْعَذَابِ الْعَظِيمِ الْمُعَدِّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَابْتِغَاءِ الْقُرُبَاتِ إِلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُنَجِّي مِنَ الْمُحَارَبَةِ وَالْعِقَابِ الْمُعَدِّ لِلْمُحَارِبِينَ.
وَلَمَّا كَانَتِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْعُرَنِيِّينَ وَالْكَلْبِيِّينَ، أَوْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودِ، أَوْ فِي الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْخِلَافِ فِي سَبَبِ النُّزُولِ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ سَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، نَصَّ عَلَى الْجِهَادِ، وَإِنْ كَانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ ابْتِغَاءِ الْوَسِيلَةِ لِأَنَّ بِهِ صَلَاحَ الْأَرْضِ، وَبِهِ قِوَامَ الدِّينِ، وَحِفْظَ الشَّرِيعَةِ، فَهُوَ مُغَايِرٌ لِأَمْرِ الْمُحَارَبَةِ، إِذِ الْجِهَادُ مُحَارَبَةٌ مَأْذُونٌ فِيهَا، وَبِالْجِهَادِ يُدْفَعُ الْمُحَارِبُونَ. وَأَيْضًا فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْقُوَّةُ وَالْبَأْسُ الَّذِي لِلْمُحَارِبِ مَقْصُورًا عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْ لَا يَضَعَ تِلْكَ النَّجْدَةَ الَّتِي وَهَبَهَا اللَّهُ لَهُ لِلْمُحَارَبَةِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَلِ الْوَسِيلَةُ الْقُرْبَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَطْلُبَ بِهَا، أَوِ الْحَاجَةُ، أَوِ الطَّاعَةُ، أَوِ الْجَنَّةُ، أَوْ أَفْضَلُ دَرَجَاتِهَا، أَقْوَالٌ لِلْمُفَسِّرِينَ.
وَذَكَرَ رَجَاءٌ الْفَلَاحَ عَلَى تَقْدِيرِ حُصُولِ مَا أَمَرَ بِهِ قَبْلُ مِنَ التَّقْوَى وَابْتِغَاءِ الْوَسِيلَةِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ.
وَالْفَلَاحُ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَلَاصِ عَنِ الْمَكْرُوهِ، وَالْفَوْزِ بِالْمَرْجُوِّ.