فهرس الكتاب

الصفحة 3049 من 4059

{وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(104)حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ(105)}

هَذِهِ مُحَاوَرَةٌ مِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِفِرْعَوْنَ وَخِطَابٌ لَهُ بِأَحْسَنِ مَا يُدْعَى بِهِ وَأَحَبِّهَا إِلَيْهِ إِذْ كَانَ مَنْ مَلَكَ مِصْرَ يُقَالُ لَهُ فِرْعَوْنٌ كَنُمْرُودَ فِي يُونَانَ، وَقَيْصَرَ فِي الرُّومِ، وَكِسْرَى فِي فَارِسَ، وَالنَّجَاشِيِّ فِي الْحَبَشَةِ وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ فِرْعَوْنُ وَأَمْثَالُهُ عَلَمًا شَخْصِيًّا بَلْ يَكُونُ عَلَمَ جِنْسٍ كَأُسَامَةَ وَثُعَالَةَ وَلَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ قَدِ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ فَاتَحَهُ مُوسَى بِقَوْلِهِ: (إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) لِيُنَبِّهَهُ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ادَّعَاهُ وَأَنَّهُ فِيهِ مُبْطِلٌ لَا مُحِقٌّ وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ (حَقِيقٌ عَلى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) أَرْدَفَهَا بِمَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا وَهُوَ قَوْلُهُ (قَدْ جِئْتُكُمْ)

وَلَمَّا قَرَّرَ رِسَالَتَهُ فَرَّعَ عَلَيْهَا تَبْلِيغَ الْحُكْمِ وَهُوَ قَوْلُهُ (فَأَرْسِلْ) وَلَمْ يُنَازِعْهُ فِرْعَوْنُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَهُ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ طَلَبَ الْمُعْجِزَةَ وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مُوَافَقَتِهِ لِمُوسَى وَأَنَّ الرِّسَالَةَ مُمْكِنَةٌ لِإِمْكَانِ الْمُعْجِزَةِ إِذْ لَمْ يَدْفَعْ إِمْكَانَهَا بَلْ قَالَ: (إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ) وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الطَّلَبِ مِنْ فِرْعَوْنَ لِلْمُعْجِزَةِ.

وَقَرَأَ نَافِعٌ (عَليَّ أَنْ لَا أَقُولَ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ جَعَلَ عَلى دَاخِلَةً عَلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ، وَمَعْنَى حَقِيقٌ جَدِيرٌ وَخَلِيقٌ وَارْتِفَاعُهُ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِرَسُولٍ أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.

وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ (عَلَى) بِجَرِّهَا أَنْ لَا أَقُولَ أي حَقِيقٌ عَلَى قَوْلِ الْحَقِّ، فَقَالَ قَوْمٌ: ضَمَّنَ (حَقِيقٌ) مَعْنَى حَرِيصٍ.

وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَالْفَرَّاءُ وَالْفَارِسِيُّ: (عَلَى) بِمَعْنَى الْبَاءِ كَمَا أَنَّ الْبَاءَ بِمَعْنَى عَلَى فِي قَوْلِهِ (وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ) أَيْ عَلَى كُلِّ صِرَاطٍ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: حَقِيقٌ بِأَنْ لَا أَقُولَ كَمَا تَقُولُ فُلَانٌ حَقِيقٌ بِهَذَا الْأَمْرِ وَخَلِيقٌ بِهِ وَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّوْجِيهِ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ (بِأَنْ لَا أَقُولَ) وَضَعَ مَكَانَ عَلَى الْبَاءَ.

قَالَ الْأَخْفَشُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْمُطَّرِدِ لَوْ قُلْتَ ذَهَبْتُ عَلَى زَيْدٍ تُرِيدُ بِزَيْدٍ لَمْ يَجُزْ.

وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَا يَقُولُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ أَخَذَ يَذْكَرُ الْمُعْجِزَةَ وَالْخَارِقَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ رِسَالَتِهِ

وَالْخِطَابُ فِي (جِئْتُكُمْ) لفرعون وملائه الْحَاضِرِينَ مَعَهُ

وَمَعْنَى (بِبَيِّنَةٍ) بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ وَاضِحَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى مَا أَذْكُرُهُ

وَالْبَيِّنَةُ قِيلَ: التِّسْعُ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ (فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ) .

قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَسِيَاقُ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَيِّنَةَ هِيَ الْعَصَا وَالْيَدُ الْبَيْضَاءُ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ (فَأَلْقى عَصاهُ) الْآيَة.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْأَكْثَرُونَ هِيَ الْعَصَا.

وَفِي قَوْلِهِ (مِنْ رَبِّكُمْ) تَعْرِيضٌ أَنَّ فِرْعَوْنَ لَيْسَ رَبًّا لَهُمْ بَلْ رَبُّهُمْ هُوَ الَّذِي جَاءَ مُوسَى بِالْبَيِّنَةِ مِنْ عِنْدِهِ

(فَأَرْسِلْ) أَيْ فَخَلِّ وَالْإِرْسَالُ ضِدُّ الْإِمْسَاكِ (مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ) أَيْ حَتَّى يَذْهَبُوا إِلَى أَوْطَانِهِمْ وَمَوْلِدِ آبَائِهِمُ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ.

وَذَلِكَ أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا تُوُفِّيَ وَانْقَرَضَ الْأَسْبَاطُ غَلَبَ فِرْعَوْنُ عَلَى نَسْلِهِمْ وَاسْتَعْبَدَهُمْ فِي الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ وَكَانُوا يُؤَدُّونَ إِلَيْهِ الْجَزَاءَ فَاسْتَنْقَذَهُمُ اللَّهُ بِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَانَ بَيْنَ اليوم الذي دخل فيه يُوسُفُ مِصْرَ وَالْيَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ مُوسَى أَرْبَعُمِائَةٍ عَامٍ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُوسَى لَمْ يَطْلُبْ مِنْ فِرْعَوْنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا إِرْسَالَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَهُ، وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ دُعَاؤُهُ إِيَّاهُ إِلَى الْإِقْرَارِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْحِيدِهِ قَالَ تَعَالَى (فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى) وَكُلُّ نَبِيٍّ دَاعٍ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ (أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ) فَهَذَا وَنَظَائِرُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ الْإِيمَانَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّ مُوسَى لَمْ يَدْعُهُ إِلَى الْإِيمَانِ وَلَا إِلَى الْتِزَامِ شَرْعِهِ، وَلَيْسَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وَالْقِبْطِ أَلَا تَرَى أَنَّ بَقِيَّةَ الْقِبْطِ وَهُمُ الْأَكْثَرُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِمْ مُوسَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت