وَفِي تَمْثِيلِ النَّفَقَةِ بِالْحَبَّةِ الْمَذْكُورَةِ إِشَارَةٌ أَيْضًا إِلَى الْبَعْثِ، وَعَظِيمِ الْقُدْرَةِ، إِذْ حَبَّةٌ وَاحِدَةٌ يُخْرِجُ اللَّهُ مِنْهَا سَبْعَمِائَةِ حَبَّةٍ، فَمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْعُجَابِ، فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إحياء الموات، ويجامع مَا اشْتَرَكَا فِيهِ مِنَ التَّغْذِيَةِ وَالنُّمُوِّ.
وَيُقَالُ: لَمَّا ذَكَرَ الْمَبْدَأَ وَالْمَعَادَ، وَدَلَائِلَ صحتها، أَتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيَانِ الشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ وَالتَّكَالِيفِ، فَبَدَأَ بِإِنْفَاقِ الْأَمْوَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمْعَنَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى كَيْفِيَّةِ تَحْصِيلِ الأموال بالوجه الذي جوز شَرْعًا.
وَلَمَّا أَجْمَلَ فِي ذِكْرِ التَّضْعِيفِ فِي قَوْلِهِ: (أَضْعافًا كَثِيرَةً) وَأَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ: (أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ) فَصَّلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَيَّدَ بِذِكْرِ الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَمَا بَيْنَ الْآيَاتِ دَلَالَةٌ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ، إِذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُحْسِنِ التَّكْلِيفَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ.
وَشُبِّهَ الْإِنْفَاقُ بِالزَّرْعِ، لِأَنَّ الزرع لا ينقطع.
وَنُسِبَ الْإِنْبَاتُ إِلَى الْحَبَّةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، إِذْ كَانَتْ سَبَبًا لِلْإِنْبَاتِ، كَمَا يُنْسَبُ ذَلِكَ إِلَى الْمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالْمَنْبَتُ هُوَ اللَّهُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْحَبَّةَ خَرَجَ مِنْهَا سَاقٌ، تَشَعَّبَ مِنْهَا سَبْعَ شُعَبٍ، فِي كُلِّ شُعْبَةٍ سُنْبُلَةٌ، فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، وَهَذَا التَّمْثِيلُ تَصْوِيرٌ لِلْأَضْعَافِ كَأَنَّهَا مَاثِلَةٌ بَيْنَ عَيْنَيِ النَّاظِرِ، قَالُوا: وَالْمُمَثَّلُ بِهِ مَوْجُودٌ، شُوهِدَ ذَلِكَ فِي سُنْبُلَةِ الْجَاوَرْسِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُوَ مَوْجُودٌ فِي الدُّخْنِ وَالذُّرَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَرُبَّمَا فُرِّخَتْ سَاقُ الْبُرَّةِ فِي الْأَرَاضِي الْقَوِيَّةِ الْمُغِلَّةِ، فَبَلَغَ حَبُّهَا هَذَا الْمَبْلَغَ، وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ لَكَانَ صَحِيحًا فِي سَبِيلِ الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عِيسَى: ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي الدُّخْنِ، عَلَى أَنَّ التَّمْثِيلَ يَصِحُّ بِمَا يُتَصَوَّرُ، وَإِنْ لَمْ يُعَايَنْ. كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
فَمَا تَدُومُ عَلَى عَهْدٍ تَكُونُ بِهِ ... كَمَا تَلَوَّنُ فِي أَثْوَابِهَا الْغُولُ
انْتَهَى كَلَامُهُ. وَكَمَا قَالَ امْرِؤُ الْقَيْسِ:
أَيَقْتُلُنِي وَالْمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي ... وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ
وَخَصَّ سَبْعًا مِنَ الْعَدَدِ لِأَنَّهُ كَمَا ذَكَرَ، وَأَقْصَى مَا تُخْرِجُهُ الْحَبَّةُ مِنَ الْأَسْؤُقِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَدْ يُوجَدُ فِي سُنْبُلِ الْقَمْحِ مَا فِيهِ مِائَةُ حَبَّةٍ، وَأَمَّا فِي سَائِرِ الْحُبُوبِ فَأَكْثَرُ، وَلَكِنَّ الْمِثَالَ وَقَعَ بِمِائَةٍ، وَقَدْ وَرَدَ الْقُرْآنُ بِأَنَّ الْحَسَنَةَ فِي جَمِيعِ أَعْمَالِ الْبِرِّ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا، وَاقْتَضَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَنَّ نَفَقَةَ الْجِهَادِ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَمِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ. انْتَهَى مَا ذكره.
وقيل: وَاخْتَصَّ هَذَا الْعَدَدَ لِأَنَّ السَّبْعَ أَكْثَرُ أَعْدَادِ الْعَشَرَةِ، وَالسَبْعِينَ أَكْثَرُ أَعْدَادِ الْمِائَةِ، وَسَبْعُ الْمِائَةِ أَكْثَرُ أَعْدَادِ الْأَلْفِ، وَالْعَرَبُ كَثِيرًا مَا تُرَاعِي هَذِهِ الْأَعْدَادَ.
قَالَ تعالى: (سَبْعَ سَنابِلَ) و (سَبْعَ لَيالٍ) و (سَبْعَ سُنْبُلاتٍ) و (سَبْعَ بَقَراتٍ)
و (سَبْعَ سَماواتٍ) و (سَبْعَ سِنِينَ) و (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) (ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا)
وَفِي الْحَدِيثِ: «إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ» ، «إِلَى سَبْعَةِ آلَافٍ» «إِلَى مَا لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إِلَّا اللَّهُ»
وَأَتَى التَّمْيِيزُ هُنَا بِالْجَمْعِ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْآحَادِ، وَفِي سُورَةِ يُوسُفَ بِالْجَمْعِ بِالْأَلِفِ وَالتَّاءِ فِي قَوْلِهِ: (وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ) .
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: هَلَّا قِيلَ: سَبْعَ سُنْبُلاتٍ عَلَى حَقِّهِ مِنَ التَّمْيِيزِ لِجَمْعِ الْقِلَّةِ، كَمَا قَالَ: وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ؟
قُلْتُ: هَذَا لَمَّا قُدِّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ: (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) مِنْ وُقُوعِ أَمْثِلَةِ الْجَمْعِ مُتَعَاوِرَةٍ مَوَاقِعُهَا. انْتَهَى كَلَامُهُ.
فَجُعِلَ هَذَا مِنْ بَابِ الِاتِّسَاعِ، وَوُقُوعِ أَحَدِ الْجَمْعَيْنِ مَوْقِعَ الْآخَرِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، إِذْ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يُمَيَّزَ بِأَقَلِّ الْجَمْعِ، لِأَنَّ السَّبْعَ مِنْ أَقَلِّ الْعَدَدِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، فَنَقُولُ: جَمْعُ السَّلَامَةِ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ، أَوْ بِالْأَلِفِ وَالتَّاءِ، لَا يُمَيَّزُ بِهِ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ إِلَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ الْمُفْرَدِ جَمْعٌ غَيْرُ هَذَا الْجَمْعِ، أَوْ جَاوَرَ مَا أُهْمِلَ فِيهِ هَذَا الْجَمْعُ، وَإِنْ كَانَ الْمُجَاوِرُ لَمْ يُهْمَلْ فِيهِ هَذَا الْجَمْعُ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: (مِائَةُ حَبَّةٍ)
الْعَدَدُ الْمَعْرُوفُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ التَّكْثِيرَ، كَأَنَّهُ قِيلَ: فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ حَبٌّ كَثِيرٌ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تُكْثِرُ بِالْمِائَةِ، وَتَقَدَّمَ لَنَا ذِكْرُ نَحْوِ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ (وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ) .
قِيلَ: وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اتِّخَاذَ الزَّرْعِ مِنْ أَعْلَى الْحَرْفِ الَّتِي يَتَّخِذُهَا النَّاسُ، وَلِذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ بِهِ الْمَثَلَ فِي قَوْلِهِ: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ) الْآيَة.
وَفِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) . «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً» .
وَفِي رواية أخرى. «وما رزئ فَهُوَ صَدَقَةٌ» .
وَفِي التِّرْمِذِيِّ: «الْتَمِسُوا الرِّزْقَ فِي خَبَايَا الْأَرْضِ»
يَعْنِي: الزَّرْعَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ، وَقَدْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أُعَالِجُهُ، فَقَالَ:
تَتَبَّعْ خَبَايَا الْأَرْضِ وَادْعُ مَلِيكَهَا ... لَعَلَّكَ يَوْمًا أَنْ تُجَابَ وَتُرْزَقَا
وَالزَّرْاعَةُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، فَيُجْبَرُ عَلَيْهَا بَعْضُ النَّاسِ إِذَا اتَّفَقُوا عَلَى تَرْكِهَا.