فهرس الكتاب

الصفحة 4019 من 4059

{قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ(57)قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ(58)إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ(59)إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ(60)}

لَمَّا بَشَّرُوهُ بِالْوَلَدِ رَاجَعُوهُ فِي ذَلِكَ، عَلِمَ أَنَّهُمْ مَلَائِكَةُ اللَّهِ وَرُسُلُهُ، فَاسْتَفْهَمَ بِقَوْلِهِ: (فَمَا خَطْبُكُمْ) ؟

الْخَطْبُ لَا يَكَادُ يُقَالُ إِلَّا فِي الْأَمْرِ الشَّدِيدِ، فَأَضَافَهُ إِلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ حَامِلُوهُ إِلَى أُولَئِكَ الْقَوْمِ الْمُعَذَّبِينَ.

وَنَكَّرَ (قَوْمًا) وَصِفَتَهُمْ تَقْلِيلًا لَهُمْ وَاسْتِهَانَةً بِهِمْ، وَهُمْ قَوْمُ لُوطٍ أَهْلِ مَدِينَةِ سَدُومَ وَالْمَعْنَى: أَرْسَلْنَا بِالْهَلَاكِ.

وَ (إِلَّا آلَ لُوط) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مِنَ الضمير المستكن فِي (مُجْرِمِينَ) وَالتَّقْدِيرُ: أَجْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا آلَ لُوطٍ، فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا، وَالْمَعْنَى: إِلَّا آلَ لُوطٍ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُجْرِمُوا. وَيَكُونُ قَوْلُهُ: (إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ) اسْتِئْنَافُ إِخْبَارٍ عَنْ نَجَاتِهِمْ، وَذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُجْرِمُوا، وَيَكُونُ حُكْمُ الْإِرْسَالِ مُنْسَحِبًا عَلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ وَعَلَى آلِ لُوطٍ لِإِهْلَاكِ هَؤُلَاءِ، وَإِنْجَاءِ هَؤُلَاءِ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأَنَّ آلَ لُوطٍ لَمْ يَنْدَرِجْ فِي قَوْلِهِ: (قوم مجرمين) لا على عموم البدل، لأنّ وصف الإجرام منتف عن آلَ لُوطٍ، وَلَا عَلَى عُمُومِ الشُّمُولِ لِتَنْكِيرِ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ، وَلِانْتِفَاءِ وَصْفِ الْإِجْرَامِ عَنْ آلِ لُوطٍ.

وَإِذَا كان استثناء منقطعا فَهُوَ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ النَّصْبُ، لِأَنَّهُ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ بِوَجْهِ الْعَامِلِ عَلَى الْمُسْتَثْنَى فِيهِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُرْسَلُوا إِلَيْهِمْ أَصْلًا، وَإِنَّمَا أُرْسِلُوا إِلَى الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ خَاصَّةً. وَيَكُونُ قَوْلُهُ: (إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ) جَرَى مَجْرَى خَبَرِ (لَكِنَّ) فِي اتِّصَالِهِ بِآلِ لُوطٍ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: لَكِنَّ آلَ لُوط مُنْجَوْنَ.

وَقَرَأَ الْأَخَوَانِ: (لَمُنْجُوهُمْ) بِالتَّخْفِيفِ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِالتَّشْدِيدِ.

وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ: (قَدَرْنَا) بِالتَّخْفِيفِ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِالتَّشْدِيدِ، وَكُسِرَتْ (إِنَّهَا) إِجْرَاءً لِفِعْلِ التَّقْدِيرِ مَجْرَى الْعِلْمِ، إِمَّا لِكَوْنِهِ بِمَعْنَاهُ، وَإِمَّا لِتَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ.

وَأَسْنَدُوا التَّقْدِيرَ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَقُولُوا: قَدَّرَ اللَّهُ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الْمَأْمُورُونَ بِإِهْلَاكِهِمْ كَمَا يَقُولُ مَنْ يَلُوذُ بِالْمَلِكِ وَمَنْ هُوَ مُتَصَرِّفٌ بِأَوَامِرِهِ: أَمَرَنَا بِكَذَا، وَالْآمِرُ هُوَ الْمَلِكُ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِمَا لَهُمْ مِنَ الْقُرْبِ وَالِاخْتِصَاصِ بِاللَّهِ الَّذِي لَيْسَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِمْ انْتَهَى.

فَأَدْرَجَ مَذْهَبَ الِاعْتِزَالِ فِي تَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ فِي غُضُونِ كَلَامِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت