فهرس الكتاب

الصفحة 4053 من 4059

{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(14)}

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى الِاسْتِدْلَالَ بِمَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ، ذَكَرَ مَا امْتَنَّ بِهِ مِنْ تَسْخِيرِ الْبَحْرِ.

وَمَعْنَى تَسْخِيرِهِ: كَوْنُهُ يَتْمَكَنُّ النَّاسُ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ لِلرُّكُوبِ فِي الْمَصَالِحِ، وَلِلْغَوْصِ فِي اسْتِخْرَاجِ مَا فِيهِ، وَلِلِاصْطِيَادِ لِمَا فِيهِ.

وَالْبَحْرُ جِنْسٌ يَشْمَلُ الْمِلْحَ وَالْعَذْبَ، وَبَدَأَ أَوَّلًا مِنْ مَنَافِعِهِ بِمَا هُوَ الْأَهَمُّ وَهُوَ الْأَكْلُ، وَمِنْهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: لِتَأْكُلُوا مِنْ حَيَوَانِهِ طَرِيًّا، ثُمَّ ثَنَّى بِمَا يُتَزَيَّنُ بِهِ وَهُوَ الْحِلْيَةُ مِنَ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ، وَنَبَّهَ عَلَى غَايَةِ الْحِلْيَةِ وَهُوَ اللُّبْسُ.

وَفِيهِ مَنَافِعُ غَيْرُ اللُّبْسِ، فَاللَّحْمُ الطَّرِيُّ مِنَ الْمِلْحِ وَالْعَذْبِ، وَالْحِلْيَةِ مِنَ الْمِلْحِ.

وَقِيلَ: إِنَّ الْعَذْبَ يَخْرُجُ مِنْهُ لُؤْلُؤٌ لَا يُلْبَسُ إِلَّا قَلِيلًا وَإِنَّمَا يُتَدَاوَى بِهِ، وَيُقَالُ: إِنَّ فِي الزُّمُرُّدِ بَحْرِيًّا، فَأَمَّا لِتَأْكُلُوا فَعَامٌّ فِي النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ، وَأَمَّا تَلْبَسُونَهَا فَخَاصٌّ بِالنِّسَاءِ.

وَالْمَعْنَى: يَلْبَسُهَا نِسَاؤُكُمْ.

وَأُسْنِدَ اللُّبْسُ إِلَى الذُّكُورِ، لِأَنَّ النِّسَاءَ إِنَّمَا يَتَزَيَّنَّ بِالْحِلْيَةِ مِنْ أَجْلِ رِجَالِهِنَّ، فَكَأَنَّهَا زِينَتُهُمْ وَلِبَاسُهُمْ.

وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى نِعْمَةَ الْأَكْلِ مِنْهُ وَالِاسْتِخْرَاجِ لِلْحِلْيَةِ، ذَكَرَ نِعْمَةَ تَصَرُّفِ الْفُلْكِ فِيهِ مَاخِرَةً أَيْ: شَاقَّةً فِيهِ، أَوْ ذَاتَ صَوْتٍ لِشَقِّ الْمَاءِ لِحَمْلِ الْأَمْتِعَةِ وَالْأَقْوَاتِ لِلتِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا، وَأَسْنَدَ الرُّؤْيَةَ إِلَى الْمُخَاطَبِ الْمُفْرَدِ فَقَالَ: وَتَرَى، وَجَعَلَهَا جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً بَيْنَ التَّعْلِيلَيْنِ: تَعْلِيلِ الِاسْتِخْرَاجِ،

وتعليل الابتغاء، فلذلك عَدَلَ عَنْ جَمْعِ الْمُخَاطَبِ، وَالظَّاهِرُ عَطْفُ (وَلِتَبْتَغُوا) عَلَى التَّعْلِيلِ قَبْلَهُ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ.

وَأَجَازَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ أَيْ: لِتَبْتَغُوا بِذَلِكَ. وَلِتَبْتَغُوا، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ أَيْ: وَفَعَلَ ذَلِكَ لِتَبْتَغُوا.

وَالْفَضْلُ هُنَا حُصُولُ الْأَرْبَاحِ بِالتِّجَارَةِ، وَالْوُصُولُ إِلَى الْبِلَادِ الشَّاسِعَةِ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ رُكُوبِ الْبَحْرِ.

(وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) عَلَى مَا مَنَحَكُمْ مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت