فهرس الكتاب

الصفحة 3805 من 4059

{وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (60) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61) }

(وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجِهَازِهِمْ) وَكَانَ الْجِهَازُ الَّذِي لَهُمْ هُوَ الطَّعَامُ الَّذِي امْتَارُوهُ.

وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وَقَدْ كَانَ اسْتَوْضَحَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ لَهُمْ أَخٌ قَعَدَ عِنْدَ أَبِيهِمْ.

رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا عَرَفَهُمْ أَرَادَ أَنْ يُخْبِرُوهُ بِجَمِيعِ أَمْرِهِمْ، فَبَاحَثَهُمْ بِأَنْ قَالَ لَهُمْ تُرْجُمَانُهِ: أَظُنُّكُمْ جَوَاسِيسَ، فَاحْتَاجُوا إِلَى التَّعْرِيفِ بِأَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ رَجُلٍ صِدِّيقٍ، وَكُنَّا اثَّنَيْ عَشَرَ، ذَهَبَ مِنَّا وَاحِدٌ فِي الْبَرِيَّةِ، وَبَقِيَ أَصْغَرُنَا عِنْدَ أَبِينَا، وَجِئْنَا نَحْنُ لِلْمِيرَةِ، وَسُقْنَا بِعِيرِ الْبَاقِي مِنَّا وَكَانُوا عَشَرَةً وَلَهُمْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا.

فَقَالَ لَهُمْ يُوسُفُ: وَلِمَ تَخَلَّفَ أَحَدُكُمْ؟ قَالُوا: لِمَحَبَّةِ أَبَيْنَا فِيهِ قَالَ: فَأَتَوْنِي بِهَذَا الْأَخِ حَتَّى أَعْلَمَ حَقِيقَةَ قَوْلِكُمْ، وَأَرَى لِمَ أَحَبَّهُ أَبُوكُمْ أَكْثَرَ مِنْكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ؟

وَأَوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذَا الْقَصَصَ بِأَلْفَاظٍ أُخَرَ تُقَارِبُ هَذِهِ فِي الْمَعْنَى،

وَفِي آخِرِهِ قَالَ: فَمَنْ يَشْهَدُ لَكُمْ إِنَّكُمْ لَسْتُمْ بِعُيُونٍ، وَأَنَّ الَّذِي تَقُولُونَ حَقٌّ؟ قَالُوا: إِنَّا بِبِلَادٍ لَا يَعْرِفُنَا فِيهَا أَحَدٌ يَشْهَدُ لَنَا. قَالَ: فَدَعُوا بَعْضَكُمْ عِنْدِي رَهِينَةً وَائْتُونِي بِأَخِيكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ وَهُوَ يحمل رِسَالَةٍ مِنْ أَبِيكُمْ حَتَّى أُصَدِّقَكُمْ، فَاقْتَرَعُوا فَأَصَابَ الْقُرْعَةُ شَمْعُونَ، وَكَانَ أَحْسَنَهُمْ رَأْيًا فِي يُوسُفَ، فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، وَكَانَ قَدْ أَحْسَنَ إِنْزَالَهُمْ وَضِيَافَتَهُمْ.

وَقِيلَ: لَمْ يَرْتَهِنْ أَحَدًا.

وَرُوِيَ غَيْرُ هَذَا فِي طَلَبِ الْأَخِ مِنْ أَبِيهِمْ.

قِيلَ: كَانَ يُوسُفُ مُلَثَّمًا أَبَدًا سَتْرًا لِجَمَالِهِ، وَكَانَ يَنْقُرُ فِي الصُّوَاعِ فَيُفْهَمُ مِنْ طَنِينِهِ صِدْقَ الْحَدِيثِ أَوْ كَذِبَهُ، فَسُئِلُوا عَنْ أَخْبَارِهِمْ، فَكُلَّمَا صَدَقُوا قَالَ لَهُمْ: صَدَقْتُمْ، فَلَمَّا قَالُوا: وَكَانَ لَنَا أَخٌ أَكَلَهُ الذِّئْبُ أَطَنَّ يُوسُفُ الصُّوَاعَ وَقَالَ: كَذَبْتُمْ، ثُمَّ تَغَيَّرَ لَهُمْ وَقَالَ: أَرَاكُمْ جَوَاسِيسَ، وَكَلَّفَهُمْ سَوْقَ الْأَخِ الباقي ليظهر صدقهم.

وقرئ: (بِجِهَازِهِمْ) بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَتَنَكَّرَ (أَخ) وَلَمْ يَقُلْ بِأَخِيكُمْ وَإِنْ كَانَ قَدْ عَرَّفَهُ وعرفهم مُبَالَغَةً فِي كَوْنِهِ لَا يُرِيدُ أَنْ يَتَعَرَّفَ لَهُمْ، وَلَا أَنَّهُ يُدْرِي مَنْ هُوَ.

أَلَا تَرَى فَرْقًا بَيْنَ مَرَرْتُ بِغُلَامِكَ، وَمَرَرْتُ بِغُلَامٍ لَكَ؟ إِنَّكَ فِي التَّعْرِيفِ تَكُونُ عَارِفًا بِالْغُلَامِ، وَفِي التَّنْكِيرِ أَنْتَ جَاهِلٌ بِهِ.

فَالتَّعْرِيفُ يُفِيدُ فَرْعَ عَهْدٍ فِي الْغُلَامِ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْمُخَاطَبِ، وَالتَّنْكِيرُ لَا عَهْدَ فِيهِ ألْبَتَّةَ. وَجَائِزٌ أن تخبر عَمَّنْ تَعْرِفُهُ أَخْبَارُ النَّكِرَةِ فَتَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ لَنَا وَأَنْتَ تَعْرِفُهُ لِصِدْقِ إِطْلَاقِ النَّكِرَةِ عَلَى الْمَعْرِفَةِ.

ثُمَّ ذَكَرَ مَا يُحَرِّضُهُمْ بِهِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِأَخِيهِمْ بِقَوْلِهِ: (أَلَا تَرَوْنَ أني أوف الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) أَيِ الْمُضِيفِينَ؟ يَعْنِي فِي قُطْرِهِ وَفِي زَمَانِهِ يُؤْنِسُهُمْ بِذَلِكَ وَيَسْتَمِيلُهُمْ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ إِنْ لَمْ يَأْتُوا بِهِ إِلَيْهِ بِحِرْمَانِهِمْ مِنَ الْمِيرَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.

وَاحْتَمَلَ قَوْلُهُ: (وَلَا تَقْرَبُونِ) أَنْ يَكُونَ نَهْيًا، وَأَنْ يَكُونَ نَفْيًا مُسْتَقِلًّا وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ. وَحُذِفَتِ النُّونُ وَهُوَ مَرْفُوعٌ، كَمَا حذفت في (فبم تبشرون) أَنْ يَكُونَ نَفْيًا دَاخِلًا فِي الْجَزَاءِ مَعْطُوفًا عَلَى مَحَلٍّ (فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي) فَيَكُونُ مَجْزُومًا وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يَقْرُبُونَ لَهُ بِكَذَا وَلَا طَاعَةٍ.

وَظَاهِرُ كُلِّ مَا فَعَلَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَهُمْ أَنَّهُ بِوَحْيٍ، وَإِلَّا فَإِنَّهُ كَانَ مُقْتَضَى الْبِرِّ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى أَبِيهِ وَيَسْتَدْعِيَهُ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ تَكْمِيلَ أَجْرِ يَعْقُوبَ وَمِحْنَتِهِ.

وَلِتَتَفَسَّرَ الرُّؤْيَا الْأُولَى.

(قَالُوا: سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ)

أَيْ: سَنُخَادِعُهُ وَنَسْتَمِيلُهُ فِي رِفْقٍ إِلَى أَنْ يَتْرُكَهُ يَأْتِيَ مَعَنَا إِلَيْكَ، ثُمَّ أَكَّدُوا ذَلِكَ الْوَعْدَ بِأَنَّهُمْ فَاعِلُو ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، لَا نُفَرِّطُ فِيهِ وَلَا نَتَوَانَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت