فهرس الكتاب

الصفحة 1819 من 4059

{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ(144)}

(أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ)

لَمَّا صُرِخَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، تَزَلْزَلَتْ أَقْدَامُ الْمُؤْمِنِينَ وَرُعِبَتْ قُلُوبُهُمْ وَأَمْعَنُوا فِي الْفِرَارِ، وَكَانُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ:

فِرْقَةٌ قَالَتْ: مَا نَصْنَعُ بِالْحَيَاةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَاتِلُوا عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ، فَقَاتَلُوا حَتَّى قُتِلُوا، مِنْهُمْ: أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ.

وَفِرْقَةٌ قَالُوا: نُلْقِي إِلَيْهِمْ بِأَيْدِينَا فَإِنَّهُمْ قَوْمُنَا وَبَنُو عَمِّنَا.

وَفِرْقَةٌ أَظْهَرَتِ النِّفَاقَ وَقَالُوا: ارْجِعُوا إِلَى دِينِكُمُ الْأَوَّلِ، فَلَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا مَا قُتِلَ.

وَظَاهِرُ الِانْقِلَابِ عَلَى الْعَقِبَيْنِ هُوَ الِارْتِدَادُ.

وَقِيلَ: هُوَ بِالْفِرَارِ لَا الِارْتِدَادُ.

وَقَدْ جَاءَ هَذَا اللَّفْظُ فِي الِارْتِدَادِ وَالْكُفْرِ فِي قَوْلِهِ: (لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ)

(وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا)

وَالِانْقِلَابُ عَلَى الأعقاب أو عَلَى الْعَقِبَيْنِ أَوِ الْعَقِبِ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ مِثْلَ مَنْ يَرْجِعُ إِلَى دِينِهِ الْأَوَّلِ بِمَنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ.

وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ.

(وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)

وَعْدٌ عَظِيمٌ بِالْجَزَاءِ.

وَجَاءَ بِالسِّينِ الَّتِي هِيَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ: قَرِينَةُ التَّفْسِيرِ فِي الِاسْتِقْبَالِ، أَيْ: لَا يَتَأَخَّرُ جَزَاءُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَنْهُمْ. وَالشَّاكِرِينَ هُمُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى دِينِهِ، وَصَدَقُوا اللَّهَ فِيمَا وَعَدُوهُ، وَثَبَتُوا. شَكَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكْفُرُوهَا، كَأَنَسِ بْنِ النَّضْرِ، وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَالْأَنْصَارِيِّ الَّذِي كان يتشخط فِي دَمِهِ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ ثَبَتَ ذَلِكَ الْيَوْمَ.

وَالشَّاكِرُونَ لَفْظٌ عَامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ كُلُّ شَاكِرٍ فِعْلًا وَقَوْلًا.

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الشُّكْرِ.

وَظَاهِرُ هَذَا الْجَزَاءِ أَنَّهُ فِي الْآخِرَةِ.

وَقِيلَ: فِي الدُّنْيَا بِالرِّزْقِ، وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ.

وَفَسَّرُوا الشَّاكِرِينَ هُنَا بِالثَّابِتِينَ عَلَى دِينِهِمْ قَالَهُ: عَلِيٌّ.

وَقَالَ هُوَ وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ أَبُو بَكْرٍ، أَمِيرُ الشَّاكِرِينَ يُشِيرَانِ إِلَى ثَبَاتِهِ يَوْمَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاضْطِرَابِ النَّاسِ إِذْ ذَاكَ، وَثَبَاتِهِ فِي أَمْرِ الرِّدَّةِ وَمَا قَامَ بِهِ مِنْ أَعْبَاءِ الْإِسْلَامِ. وَفُسِّرَ أَيْضًا بِالطَّائِعِينَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت