أَهْلَ الْكِتَابِ هُمُ الْيَهُودُ والنصارى، والرسول هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقِيلَ: الْمُخَاطَبُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ هُنَا هُمُ الْيَهُودُ خَاصَّةً، وَيُرَجِّحُهُ مَا رُوِيَ فِي سَبَبِ النُّزُولِ: وَأَنَّ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَسَعْدُ بْنَ عُبَادَةَ، وَعُقْبَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالُوا: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ اتَّقُوا اللَّهَ، فوالله إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
(عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ)
وَالْمَعْنَى: عَلَى فُتُورٍ وَانْقِطَاعٍ مِنْ إِرْسَالِ الرُّسُلِ.
وَالْفَتْرَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم وعيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ قَتَادَةُ: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتُّونَ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ وَبِضْعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً.
وَقِيلَ: أَرْبَعُمِائَةٍ وَنَيِّفٌ وَسِتُّونَ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي كِتَابِ الطَّبَقَاتِ لَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ كَانَ بَيْنَ مِيلَادِ عِيسَى وَالنَّبِيِّ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وَتِسْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، بُعِثَ فِي أَوَّلِهَا ثَلَاثَةُ أَنْبِيَاءَ. وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ) وَهُوَ شَمْعُونُ وَكَانَ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَهُمَا أَرْبَعَةُ أَنْبِيَاءَ، وَاحِدٌ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ بَنِي عَبْسٍ وَهُوَ خَالِدُ بْنُ سِنَانٍ الَّذِي
قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ» .
وَرُوِيَ عَنِ الْكَلْبِيِّ أَيْضًا خَمْسُمِائَةٍ وَأَرْبَعُونَ.
وَقَالَ وَهْبٌ: سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ وَعِشْرُونَ.
وَقِيلَ: سَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ.
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ قَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أَنَّ هَذَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ. فَإِنْ كَانَا كَمَا ذَكَرَ وَجَبَ أَنْ لَا يُعْدَلَ عَنْهُ لِسِوَاهُ.
وَهَذِهِ التَّوَارِيخُ نَقَلَهَا الْمُفَسِّرُونَ مِنْ كُتُبِ الْيُونَانِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا يَتَحَرَّى النَّقْلَ.
وَالْمَعْنَى: الِامْتِنَانُ عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ عَلَى حِينِ انْطَمَسَتْ آثَارُ الْوَحْيِ، وَهُمْ أَحْوَجُ مَا يَكُونُونَ إِلَيْهِ لِيَعُدُّوهُ أَعْظَمَ نِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحَ بَابٍ إِلَى الرَّحْمَةِ، وَيُلْزِمُهُمُ الْحُجَّةَ فَلَا يَعْتَلُّوا غَدًا بِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ إِلَيْهِمْ مَنْ يُنَبِّهُهُمْ مِنْ غَفْلَتِهِمْ.
وَأَنْ تَقُولُوا: مفعول من أجله فقده الْبَصْرِيُّونَ: كَرَاهَةَ أَوْ حَذَارِ أَنْ تَقُولُوا.
وَقَدَّرَهُ الْفَرَّاءُ: لِئَلَّا تَقُولُوا. وَيَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِجَاجِ.
فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ قِيلَ: وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ أَيْ: لَا تَعْتَدُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ، أَيْ لِمَنْ أَطَاعَ بِالثَّوَابِ، وَنَذِيرٌ لِمَنْ عَصَى بِالْعِقَابِ.
وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى الْيَهُودِ حَيْثُ قَالُوا: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ بَعْدَ مُوسَى وَلَا أَرْسَلَ بَعْدَهُ.