فهرس الكتاب

الصفحة 3548 من 4059

{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(38)}

لَمَّا نَفَى تَعَالَى أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ مُفْتَرًى، بَلْ جَاءَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكُتُبِ وَبَيَانًا لِمَا فِيهَا، ذَكَرَ أَعْظَمَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَهُوَ الْإِعْجَازُ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، فَأَبْطَلَ بِذَلِكَ دَعْوَاهُمُ افْتِرَاءَهُ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مُشْبَعًا فِي الْبَقَرَةِ فِي قَوْلِهِ: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ) الْآيَة.

وَ (أَمْ) مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنَى بَلْ، وَالْهَمْزَةُ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ أَيْ: بَلْ أَيَقُولُونَ اخْتَلَقَهُ.

وَالْهَمْزَةُ تَقْرِيرٌ لِالْتِزَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، أَوْ إِنْكَارٌ لِقَوْلِهِمْ وَاسْتِبْعَادٌ.

وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: أَمْ هَذِهِ بِمَنْزِلَةِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ.

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: (أَمْ) بِمَعْنَى الْوَاوِ وَمَجَازُهُ، وَيَقُولُونَ افْتَرَاهُ.

وَقِيلَ: الْمِيمُ صِلَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ أَيَقُولُونَ.

وَقِيلَ: (أَمْ) هِيَ الْمُعَادِلَةُ لِلْهَمْزَةِ، وَحُذِفَتِ الْجُمْلَةُ قَبْلَهَا وَالتَّقْدِيرُ:

أَيُقِرُّونَ بِهِ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ.

وَجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ (قُلْ فَأْتُوا) جُمْلَةَ شَرْطٍ مَحْذُوفَةً فَقَالَ: قُلْ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَزْعُمُونَ فَأْتُوا أَنْتُمْ عَلَى وَجْهِ الِافْتِرَاءِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، فَأَنْتُمْ مِثْلُهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَالْفَصَاحَةِ وَالْأَلْمَعِيَّةِ، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ شَبِيهَةٍ بِهِ فِي الْبَلَاغَةِ وَحُسْنِ النَّظْمِ انْتَهَى.

وَالضَّمِيرُ فِي (مِثْلِهِ) عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ أَيْ: بِسُورَةٍ مُمَاثِلَةٍ لِلْقُرْآنِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ لَنَا فِيمَا وَقَعَ بِهِ الْإِعْجَازُ.

وَقَرَأَ عَمْرُو بْنُ قَائِدٍ (بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) عَلَى الْإِضَافَةِ أَيْ: بِسُورَةِ كِتَابٍ أَوْ كَلَامٍ مِثْلِهِ أَيْ: مِثْلِ الْقُرْآنِ.

وَقَالَ صَاحِبُ اللَّوَامِحِ: هَذَا مِمَّا حُذِفَ الْمَوْصُوفُ مِنْهُ وَأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقَامَهُ أَيْ:

بِصُورَةِ بَشَرٍ مِثْلِهِ، فَالْهَاءُ فِي ذَلِكَ وَاقِعَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي الْعَامَّةِ إِلَى الْقُرْآنِ.

(وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ) أَنْ تَدْعُوهُ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ

(مِنْ دُونِ اللَّهِ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ اللَّهِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، فَلَا تَسْتَعِينُوهُ وَحْدَهُ، وَاسْتَعِينُوا بِكُلِّ مَنْ دُونَهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي أَنَّهُ افْتَرَاهُ.

وَقَدْ تَمَسَّكَ الْمُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى خَلْقِ الْقُرْآنِ قَالُوا: لِأَنَّهُ تَحَدَّى بِهِ وَطَلَبَ الْإِتْيَانَ بِمِثْلِهِ وَعَجَزُوا، وَلَا يُمْكِنُ هَذَا إِلَّا إِذَا كَانَ الْإِتْيَانُ بِمِثْلِهِ صَحِيحَ الْوُجُودِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَوْ كَانَ قَدِيمًا لَكَانَ الْإِتْيَانُ بِمِثْلِ الْقَدِيمِ مُحَالًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَّ التَّحَدِّي بِهِ.

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: مَرَاتِبُ التَّحَدِّي بِالْقُرْآنِ سِتٌّ تَحَدٍّ بِكُلِّ الْقُرْآنِ فِي: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ) الْآيَةَ، وَتَحَدٍّ بِعَشْرِ سُوَرٍ، وَتَحَدٍّ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَتَحَدٍّ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ فِي قَوْلِهِ: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ) وَفِي هَذِهِ الْأَرْبَعِ طَلَبَ أَنْ يُعَارِضَ رَجُلٌ يُسَاوِي الرَّسُولَ فِي عَدَمِ التَّتَلْمُذِ وَالتَّعْلِيمِ، وَتَحِدٍّ طَلَبَ مِنْهُمْ مُعَارَضَةَ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أَيِّ إِنْسَانٍ كَانَ تَعَلَّمَ الْعُلُومَ أَوْ لَمْ يَتَعَلَّمْهَا، وَفِي هَذِهِ الْمَرَاتِبِ الْخَمْسِ تَحَدَّى كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَتَحِدٍّ طَلَبَ من المجموع واستعانة بَعْضٍ بِبَعْضٍ انْتَهَى مُلَخَّصًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت