تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْمُشْرِكِينَ فِيمَا أَحَلُّوا وَمَا حَرَّمُوا وَنِسْبَتِهِمْ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ، فَلَمَّا قَامَ الْإِسْلَامُ وَثَبَتَتِ الْأَحْكَامُ جَادَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ خَطِيبُهُمْ مَالِكَ بْنَ عَوْفِ بْنِ أَبِي الْأَحْوَصِ الْجُشَمِيُّ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ بَلَغَنَا أَنَّكَ تُحِلُّ أَشْيَاءَ فَقَالَ لَهُ: «إِنَّكُمْ قَدْ حَرَّمْتُمْ أَشْيَاءَ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ، وَإِنَّمَا خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ الْأَزْوَاجَ الثَّمَانِيَةَ لِلْأَكْلِ وَالِانْتِفَاعِ بِهَا فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ هَذَا التَّحْرِيمُ أَمِنْ قِبَلِ الذَّكَرِ أَمْ مِنْ قِبَلِ الْأُنْثَى» ؟ فَسَكَتَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ وَتَحَيَّرَ
فَلَوْ عَلَّلَ بِالذُّكُورَةِ وَجَبَ أَنْ يُحَرَّمَ الذَّكَرُ أَوْ بِالْأُنُوثَةِ فَكَذَلِكَ أَوْ بِاشْتِمَالِ الرَّحِمِ وَجَبَ أَنْ يحرما لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِمَا، فَأَمَّا تَخْصِيصُ التَّحْرِيمِ بِالْوَلَدِ الْخَامِسِ أَوِ السَّابِعِ أَوْ بِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ فَمِنْ أَيْنَ؟
وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لِمَالِكٍ: «مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ» . فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: بَلْ تَكَلَّمْ وَأَسْمَعُ مِنْكَ.
وَالزَّوْجُ مَا كَانَ مَعَ آخَرَ مِنْ جِنْسِهِ وَهُمَا زَوْجَانِ قَالَ: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى فَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ فَهُوَ فَرْدٌ وَيَعْنِي بِاثْنَيْنِ ذَكْرًا وَأُنْثَى أَيْ كَبْشًا وَنَعْجَةً وَتَيْسًا وَعَنْزًا وَهَذَا الِاسْتِفْهَامُ هُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَتَوْبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ، حَيْثُ نَسَبُوا مَا حَرَّمُوهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَكَانُوا مَرَّةً يُحَرِّمُونَ الذُّكُورَ وَمَرَّةً الْإِنَاثَ وَمَرَّةً أَوْلَادَهَا ذُكُورًا أَوْ إِنَاثًا أَوْ مُخْتَلِطَةً، فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ هُوَ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ لَا مِنْ قِبَلِهِ تَعَالَى
وَانْتَصَبَ (ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ) عَلَى الْبَدَلِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ مِنْ قَوْلِهِ: (حَمُولَةً وَفَرْشًا) وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَقَرَأَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ: (اثْنَانِ) بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ الْمُقَدَّمُ وَتَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ وَتَأْخِيرُ الْفِعْلِ دَلَّ عَلَى وُقُوعِ تَحْرِيمِهِمُ الذُّكُورَ تَارَةً وَالْإِنَاثَ أُخْرَى، وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الرَّحِمُ أُخْرَى، فَأَنْكَرَ تَعَالَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَيْثُ نَسَبُوهُ إِلَيْهِ تَعَالَى فَقَالَ: حَرَّمَ أَيْ حَرَّمَ اللَّهُ أَيْ لَمْ يُحَرِّمْ تَعَالَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَا ذُكُورَهَا وَلَا إِنَاثَهَا وَلَا مِمَّا تَحْمِلَهُ أَرْحَامُ إناثهما، وَقَدَّمَ فِي التَّقْسِيمِ الْفَرْشَ عَلَى الْحَمُولَةِ لِقُرْبِ الذِّكْرِ وَهُمَا طَرِيقَانِ لِلْعَرَبِ تَارَةً يُرَاعُونَ الْقُرْبَ وَتَارَةً يُرَاعُونَ التَّقْدِيمَ، وَلِأَنَّهُمَا أَيْسَرُ مَا يَتَمَلَّكُهُ وَيَقْتَنِيهِ الْفَقِيرُ وَالْغَنِيُّ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا إِنْ لَا تَكُنْ إِبِلٌ فَمِعْزَى
وَقُدِّمَ الضَّأْنُ عَلَى الْمَعْزِ لِغَلَاءِ ثَمَنِهِ وَطِيبِ لَحْمِهِ وَعِظَمِ الِانْتِفَاعِ بِصُوفِهِ.
وَقُدِّمَ الضَّأْنُ عَلَى الْمَعْزِ لِغَلَاءِ ثَمَنِهِ وَطِيبِ لَحْمِهِ وَعِظَمِ الِانْتِفَاعِ بِصُوفِهِ.
(نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)
أَيْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِي نِسْبَةِ ذَلِكَ التَّحْرِيمِ إِلَى اللَّهِ، فَأَخْبَرُونِي عَنِ اللَّهِ بِعِلْمٍ لَا بِافْتِرَاءٍ وَلَا بِتَخَرُّصٍ وَأَنْتُمْ لَا عِلْمَ لَكُمْ بِذَلِكَ إِذْ لَمْ يَأْتِكُمْ بِذَلِكَ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يُمْكِنُ مِنْكُمْ تَنْبِئَةٌ بِذَلِكَ.
وَفَصَلَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ الْمُعْتَرِضَةِ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفِينَ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ لَهُمْ وَالتَّوْبِيخِ حَيْثُ لَمْ يَسْتَنِدُوا فِي تَحْرِيمِهِمْ إِلَّا إِلَى الْكَذِبِ الْبَحْتِ وَالِافْتِرَاءِ.