فهرس الكتاب

الصفحة 3821 من 4059

{فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) }

قِيلَ: قَالَ لَهُمْ مَنْ وُكِّلَ بِهِمْ: لَا بُدَّ مِنْ تَفْتِيشِ أَوْعِيَتِكُمْ، فَانْصَرَفَ بِهِمْ إِلَى يُوسُفَ، فَبَدَأَ بِتَفْتِيشِ أَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ بِنْيَامِينَ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ، وَتَمْكِينِ الْحِيلَةِ، وَإِبْقَاءِ ظُهُورِهَا حَتَّى بَلَغَ وِعَاءَهُ، فَقَالَ: مَا أَظُنُّ هَذَا أَخَذَ شَيْئًا فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا تَتْرُكُهُ حَتَّى تَنْظُرَ فِي رَحْلِهِ، فَإِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِكَ وَأَنْفُسِنَا، فَاسْتَخْرَجُوهُ مِنْهُ.

وَقَرَأَ الْحَسَنُ (مِنْ وُعَاءِ) بِضَمِّ الْوَاوِ، وَجَاءَ كَذَلِكَ عَنْ نَافِعٍ.

وَقَرَأَ ابْنُ جُبَيْرٍ: (مِنْ إِعَاءِ) بِإِبْدَالِ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ هَمْزَةً كَمَا قَالُوا: إِشَاحٌ وَإِسَادَةٌ فِي وِشَاحٍ وَوِسَادَةٍ، وَذَلِكَ مُطَّرَدٌ فِي لُغَةِ هُذَيْلٍ، يُبَدِّلُونَ مِنَ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ الْوَاقِعَةِ أَوَّلًا هَمْزَةً، وَأَنَّثَ فِي قَوْلِهِ (ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا) عَلَى مَعْنَى السِّقَايَةِ، أَوْ لِكَوْنِ الصُّوَاعِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ.

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يُؤَنَّثُ الصُّوَاعُ مِنْ حَيْثُ سُمِّيَ سِقَايَةً، وَيُذَكَّرُ مِنْ حَيْثُ هُوَ صَاعٌ، وَكَأَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ لَمْ يَحْفَظْ تَأْنِيثَ الصُّوَاعِ.

وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا) عَائِدٌ عَلَى السَّرِقَةِ.

(كَذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ الْكَيْدِ الْعَظِيمِ كِدْنَا لِيُوسُفَ يَعْنِي: عَلَّمْنَاهُ إِيَّاهُ، وَأَوْحَيْنَا بِهِ إِلَيْهِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ: (كِدْنَا) صَنَعْنَا.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَأَضَافَ اللَّهُ تَعَالَى الْكَيْدَ إِلَى ضَمِيرِهِ، لَمَّا أَخْرَجَ الْقَدْرَ الَّذِي أَبَاحَ لِيُوسُفَ أَخَذَ أَخِيهِ مَخْرَجَ مَا هُوَ فِي اعْتِيَادِ النَّاسِ كَيْدٌ.

وَفَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي دِينِ الْمَلِكِ بِسُلْطَانِهِ، وَفَسَّرَهُ قَتَادَةُ بِالْقَضَاءِ وَالْحُكْمِ انْتَهَى.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) تَفْسِيرٌ لِلْكَيْدِ وَبَيَانٌ لَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي دِينِ مَلِكِ مِصْرَ، وَمَا كَانَ يَحْكُمُ بِهِ فِي السَّارِقِ أَنْ يَغْرَمَ مِثْلَيْ مَا أَخَذَ إِلَّا أَنْ يُلْزَمَ وَيُسْتَعْبَدَ.

(إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَإِذْنِهِ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالِاسْتِثْنَاءُ حِكَايَةٌ حَالَ التَّقْدِيرِ: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ مَا وَقَعَ مِنْ هَذِهِ الْحِيلَةِ انْتَهَى.

وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَيْ:

لَكِنْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ أَخَذَهُ فِي دِينٍ غَيْرِ الْمَلِكِ، وَهُوَ دِينُ آلِ يَعْقُوبَ: أَنَّ الِاسْتِرْقَاقَ جَزَاءُ السَّارِقِ.

وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ: (نَرْفَعُ) بِنُونٍ دَرَجَاتٍ مُنَوَّنًا مَنْ نَشَاءُ بِالنُّونِ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُمْ أَضَافُوا دَرَجَاتٍ.

وَقَرَأَ يَعْقُوبُ بِالْيَاءِ فِي (يَرْفَعُ، وَيَشَاءُ) أَيْ: يَرْفَعُ اللَّهُ دَرَجَاتٍ مَنْ يَشَاءُ رَفْعَ دَرَجَاتِهِ.

وَقَرَأَ عِيسَى الْبَصْرَةِ: (نَرْفَعُ) بِالنُّونِ دَرَجَاتٍ مُنَوَّنًا (مَنْ يَشَاءُ) بِالْيَاءِ.

قَالَ صَاحِبُ الْلَوَامِحِ: وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ مَرْغُوبٌ عَنْهَا تِلَاوَةً وَجُمْلَةً، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إِنْكَارُهَا.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ (نَرْفَعُ) عَلَى ضَمِيرِ الْمُعَظِّمِ وَكَذَلِكَ (نَشَاءُ) .

وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَعِيسَى وَيَعْقُوبُ: بِالْيَاءِ أَيْ: اللَّهُ تَعَالَى انْتَهَى.

وَمَعْنَاهُ فِي الْعِلْمِ كَمَا رَفَعْنَا دَرَجَةَ يُوسُفَ فِيهِ.

و (عليم) صِفَةُ مُبَالَغَةٍ.

وَقَوْلُهُ: (ذِي عِلْمٍ) أَيْ: عَالِمٍ. فَالْمَعْنَى أَنَّ فَوْقَهُ أَرْفَعَ مِنْهُ دَرَجَةً فِي عِلْمِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وابن عباس.

وعنه أَنَّ الْعَلِيمَ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.

قِيلَ: رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ عَجِيبٍ، فَتَعَجَّبَ مِنْهُ رَجُلٌ مِمَّنْ حَضَرَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ، إِنَّمَا الْعَلِيمُ اللَّهُ، وَهُوَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ.

وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عَالِمٍ) فَخَرَجَتْ عَلَى زِيَادَةِ ذِي، أَوْ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ عَالِمٌ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى عِلْمٍ كَالْبَاطِلِ، أَوْ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي شَخْصٍ عَالِمٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت