فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 4059

{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(57)}

(وَما ظَلَمُونا) نَفْيٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَقَعْ منهم ظلم لله تَعَالَى، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أنه ليس من شرط نَفْيَ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ إِمْكَانُ وُقُوعِهِ، لِأَنَّ ظُلْمَ الْإِنْسَانِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ أَلْبَتَّةَ.

قِيلَ: الْمَعْنَى وَمَا ظَلَمُونَا بِقَوْلِهِمْ: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً، بَلْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا قَابَلْنَاهُمْ بِهِ مِنَ الصَّاعِقَةِ.

وَقِيلَ: وَمَا ظَلَمُونَا بِادِّخَارِهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، بَلْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِفَسَادِ طَعَامِهِمْ وَتَقْلِيصِ أَرْزَاقِهِمْ.

وَقِيلَ: وَمَا ظَلَمُونَا بِإِبَائِهِمْ عَلَى مُوسَى أَنْ يَدْخُلُوا قَرْيَةَ الْجَبَّارِينَ.

وَقِيلَ: وَمَا ظَلَمُونَا بِاسْتِحْبَابِهِمُ الْعَذَابَ وَقَطْعِهِمْ مَادَّةَ الرِّزْقِ عَنْهُمْ، بَلْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِذَلِكَ.

وَقِيلَ: وَمَا ظَلَمُونَا بِكُفْرِ النِّعَمِ، بَلْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِحُلُولِ النِّقَمِ.

وَقِيلَ: وَمَا ظَلَمُونَا بِعِبَادَةِ الْعِجْلِ، بَلْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِقَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.

(وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)

(لَكِنْ) هُنَا وَقَعَتْ أَحْسَنَ مَوْقِعٍ، لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ قَبْلَهَا نَفْيٌ وَجَاءَ بَعْدَهَا إِيجَابٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) ، وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لَا يَعْلَمُونَ) ، أَعْنِي أَنْ يَتَقَدَّمَ إِيجَابٌ ثُمَّ يَجِيءُ بَعْدَهَا نَفْيٌ، لِأَنَّ الِاسْتِدْرَاكَ الْحَاصِلَ بِهَا إنما يكون يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَبْلِهَا بِوَجْهٍ مَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ مِنْهُمْ ظُلْمٌ، فَلَمَّا نُفِيَ ذَلِكَ الظُّلْمُ أَنْ يَصِلَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بَقِيَتِ النَّفْسُ مُتَشَوِّفَةً وَمُتَطَلِّعَةً إِلَى ذِكْرِ مَنْ وَقَعَ بِهِ الظُّلْمُ، فَاسْتُدْرِكَ بِأَنَّ ذَلِكَ الظُّلْمَ الْحَاصِلَ مِنْهُمْ إِنَّمَا كَانَ وَاقِعًا بِهِمْ، وَأَحْسَنُ مَوَاقِعِهَا أَنْ تَكُونَ بَيْنَ الْمُتَضَادَّيْنِ، وَيَلِيهِ أَنْ تَقَعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَيَلِيهِ أَنْ تَقَعَ بَيْنَ الْخِلَافَيْنِ، وَفِي هَذَا الْأَخِيرِ خِلَافٌ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ. أَذَلِكَ تَرْكِيبٌ عَرَبِيٌّ أَمْ لَا؟

وَذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِكَ: مَا زَيْدٌ قَائِمٌ، وَلَكِنْ هُوَ ضَاحِكٌ، وَقَدْ تُكُلِّمَ عَلَى ذَلِكَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تَقَعُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ نَحْوَ: مَا خَرَجَ زَيْدٌ وَلَكِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَمْرٌو. وَطِبَاقُ الْكَلَامِ أَنْ يُثْبَتَ مَا بَعْدَ لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ مَا نُفِيَ قَبْلَهَا، نَحْوَ قَوْلِهِ: (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) ، لَكِنْ دَخَلَتْ (كَانُوا) هُنَا مُشْعِرَةً بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهِمْ وَمِنْ طَرِيقَتِهِمْ، وَلِأَنَّهَا أَيْضًا تَكُونُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ تُسْتَعْمَلُ حَيْثُ يَكُونُ الْمُسْنَدُ لَا يَنْقَطِعُ عَنِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: (وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) فَكَانَ الْمَعْنَى: وَلَكِنْ لَمْ يَزَالُوا ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ بِكَثْرَةِ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ مَنِ المخالفات. ويظلمون: صُورَتُهُ صُورَةُ الْمُضَارِعِ، وَهُوَ مَاضٍ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَهَذَا مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْمُضَارِعُ بِمَعْنَى الماضي.

وَقُدِّمَ مَعْمُولُ الْخَبَرِ عَلَيْهِ هُنَا وَهُوَ قَوْلُهُ: (أَنْفُسَهُمْ) ، لِيَحْصُلَ بذلك توافق رءوس الْآيِ وَالْفَوَاصِلِ، وَلِيَدُلَّ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِالْإِخْبَارِ عَمَّنْ حَلَّ بِهِ الْفِعْلُ.

(فائدة)

وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ مِنْ ذِكْرِ قَصَصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فُصُولًا مِنْهَا: أَمْرُ مُوسَى، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ السَّلَامُ، إِيَّاهُمْ بِالتَّوْبَةِ إِلَى اللَّهِ مِنْ مُقَارَفَةِ هَذَا الذَّنْبِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ الْعِجْلِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَأَنَّ مِثْلَ هَذَا الذَّنْبِ الْعَظِيمِ تُقْبَلُ التَّوْبَةُ مِنْهُ، وَالتَّلَطُّفُ بِهِمْ فِي نِدَائِهِمْ بِيَا قَوْمِ، وَتَنْبِيهُهُمْ عَلَى عِلَّةِ الظُّلْمِ الَّذِي كَانَ وَبَالُهُ رَاجِعًا عَلَيْهِمْ، وَالْإِعْلَامُ بِأَنَّ تَوْبَتَهُمْ بِقَتْلِ أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ الْإِخْبَارُ بِحُصُولِ تَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِسَابِقِ رَحْمَتِهِ، ثُمَّ التَّوْبِيخُ لَهُمْ بِسُؤَالِهِمْ مَا كَانَ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَسْأَلُوهُ، وَهُوَ رُؤْيَةُ اللَّهِ عِيَانًا، لِأَنَّهُ كَانَ سُؤَالَ تَعَنُّتٍ.

ثُمَّ ذِكْرُ مَا تَرَتَّبَ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ مِنْ أَخْذِ الصَّاعِقَةِ إِيَّاهُمْ.

ثُمَّ الْإِنْعَامُ عَلَيْهِمْ بِالْبَعْثِ، وَهُوَ مِنَ الْخَوَارِقِ الْعَظِيمَةِ أَنْ يُحْيَى الْإِنْسَانُ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ أَنْ مَاتَ.

ثُمَّ إِسْعَافُهُمْ بِمَا سَأَلُوهُ، إِذْ وَقَعُوا فِي التِّيهِ، وَاحْتَاجُوا إِلَى مَا يُزِيلُ ضَرَرَهُمْ وَحَاجَتَهُمْ مَنْ لَفْحِ الشَّمْسِ، وَتَغْذِيَةِ أَجْسَادِهِمْ بِمَا يَصْلُحُ لَهَا، فَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَشْيَاءِ وَأَكْبَرِ الْمُعْجِزَاتِ حَيْثُ يُسَخَّرُ الْعَالَمُ الْعُلْوِيُّ لِلْعَالَمِ السُّفْلِيِّ عَلَى حَسَبِ اقْتِرَاحِهِ، فَكَانَ عَلَى مَا قِيلَ: تُظِلُّهُمْ بِالنَّهَارِ وَتَذْهَبُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُنَوِّرَ عَلَيْهِمُ الْقَمَرُ. وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، وَهَذَا مِنْ أَشْرَفِ الْمَأْكُولِ، إِذْ جَمَعَ بَيْنَ الْغِذَاءِ وَالدَّوَاءِ، بِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحَلَاوَةِ الَّتِي فِي الْمَنِّ وَالدَّسَمِ الَّذِي فِي السَّلْوَى، وَهُمَا مُقْمِعَا الْحَرَارَةِ وَمُثِيرَا الْقُوَّةِ لِلْبَدَنِ.

ثُمَّ الْأَمْرُ لَهُمْ بِتَنَاوُلِ ذَلِكَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَانٍ، بَلْ ذَلِكَ أَمْرٌ مُطْلَقٌ.

ثُمَّ التَّنْصِيصُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَبِحَقِّ مَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ.

ثُمَّ ذِكْرُ أَنَّهُ رِزْقٌ مِنْهُ لَهُمْ لَمْ يَتْعَبُوا فِي تَحْصِيلِهِ وَلَا اسْتِخْرَاجِهِ وَلَا تَنْمِيَتِهِ، بَلْ جَاءَ رِزْقًا مُهَنَّأً لَا تَعَبَ فِيهِ ثُمَّ إِرْدَافُ هَذِهِ الْجُمَلِ بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ، إِذْ هِيَ مُؤَكِّدَةٌ لِافْتِتَاحِ هَذِهِ الْجُمَلِ السَّابِقَةِ، لِأَنَّهُ افْتَتَحَهَا بِالْإِخْبَارِ بِأَنَّهُمْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، وَخَتَمَهَا بِذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. فَجَاءَتْ هَذِهِ الجمل في غاية الفصاحة لَفْظًا وَالْبَلَاغَةِ مَعْنًى، إِذْ جَمَعَتِ الْأَلْفَاظَ الْمُخْتَارَةَ وَالْمَعَانِيَ الْكَثِيرَةَ مُتَعَلّقًا أَوَائِلُ أَوَاخِرِهَا بِأَوَاخِرِ أَوَائِلِهَا، مَعَ لُطْفِ الْإِخْبَارِ عَنْ نَفْسِهِ. فَحَيْثُ ذَكَرَ النِّعَمَ صَرَّحَ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ، فَقَالَ: ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ، وَقَالَ: وَظَلَّلْنَا وَأَنْزَلْنَا، وَحَيْثُ ذَكَرَ النِّقَمَ لَمْ يَنْسُبْهَا إِلَيْهِ تَعَالَى فَقَالَ: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ. وَسِرُّ ذَلِكَ أَنَّهُ مَوْضِعُ تَعْدَادٍ لِلنِّعَمِ، فَنَاسَبَ نِسْبَةَ ذَلِكَ إِلَيْهِ لِيُذَكِّرَهُمْ آلَاءَهُ، وَلَمْ يَنْسُبِ النِّقَمَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْهُ حَقِيقَةً، لِأَنَّ فِي نِسْبَتِهَا إِلَيْهِ تَخْوِيفًا عَظِيمًا رُبَّمَا عَادَلَ ذَلِكَ الْفَرَحَ بِالنِّعَمِ. وَالْمَقْصُودُ: انْبِسَاطُ نُفُوسِهِمْ بِذِكْرِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ قَدِ انْطَوَى عَلَى تَرْهِيبٍ وَتَرْغِيبٍ، فَالتَّرْغِيبُ أغلب عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت