رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ: (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ) الْآيَةَ، فَكَيْفَ هَذِهِ الْمَعْرِفَةُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَا عُمَرُ، لَقَدْ عَرَفْتُهُ حِينَ رَأَيْتُهُ، كَمَا أَعْرِفُ ابْنِي، وَمَعْرِفَتِي بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدُّ مِنْ مَعْرِفَتِي بِابْنِي. فَقَالَ عُمَرُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، وَقَدْ نَعَتَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِنَا، وَلَا أَدْرِي مَا يَصْنَعُ النِّسَاءُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَفَّقَكَ اللَّهُ يَا ابْنَ سَلَامٍ فَقَدْ صَدَقْتَ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْأَثَرُ مُخْتَصَرًا بِمَا يُرَادِفُ بَعْضَ أَلْفَاظِهِ وَيُقَارِبُهَا، وَفِيهِ: فَقَبَّلَ عُمَرُ رَأَسَهُ.
وَإِذَا كَانَ الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ، فَقِيلَ: الْمُرَادُ مَعْرِفَةُ الْوَجْهِ وَتَمَيُّزِهِ، لَا مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ النَّسَبِ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى يَعْرِفُونَ صِدْقَهُ وَنُبُوَّتَهُ.
وَقِيلَ: الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْحَقِّ الَّذِي هُوَ التَّحَوُّلُ إِلَى الْكَعْبَةِ.
قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ أَيْضًا، وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالرَّبِيعُ.
وَقِيلَ: عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ.
وَقِيلَ: عَلَى الْعِلْمِ.
وَقِيلَ: عَلَى كَوْنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَهَذِهِ الْمَعْرِفَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهُ قَالَ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ، فَإِنْ تَعَلَّقَتِ الْمَعْرِفَةُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَكُونُ حُصُولُهَا بِالرُّؤْيَةِ وَالْوَصْفِ، أَوْ بِالْقُرْآنِ، فَحَصَلَتْ مِنْ تَصْدِيقِ كِتَابِهِمْ لِلْقُرْآنِ، وَبِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَتِهِ، أَوْ بِالْقِبْلَةِ، أَوِ التَّحْوِيلِ، فَحَصَلَتْ بِخَبَرِ الْقُرْآنِ وَخَبَرِ الرَّسُولِ الْمُؤَيَّدِ بِالْخَوَارِقِ.
(كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ)
وَظَاهِرُ هَذَا التَّشْبِيهِ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ أُرِيدَ بِهَا مَعْرِفَةُ الْوَجْهِ وَالصُّورَةِ، وَتَشْبِيهُهَا بِمَعْرِفَةِ الْأَبْنَاءِ يُقَوِّي ذَلِكَ، وَيُقَوِّي أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى الرسول صلى الله عليه وَسَلَّمَ، حَتَّى تَكُونَ الْمَعْرِفَتَانِ تَتَعَلَّقَانِ بِالْمَحْسُوسِ الْمُشَاهَدِ، وَهُوَ آكَدُ فِي التَّشْبِيهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ وَقَعَ بَيْنَ مَعْرِفَةٍ مُتَعَلّقُهَا الْمَعْنَى، وَمَعْرِفَةٍ مُتَعَلّقُهَا الْمَحْسُوسُ.
وَظَاهِرُ الْأَبْنَاءِ الِاخْتِصَاصُ بِالذُّكُورِ، فَيَكُونُونَ قَدْ خُصُّوا بِذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ أَكْثَرُ مُبَاشَرَةً وَمُعَاشَرَةً لِلْآبَاءِ، وَأَلْصَقُ وَأَعْلَقُ بِقُلُوبِ الْآبَاءِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَبْنَاءِ: الْأَوْلَادُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ. وَكَانَ التَّشْبِيهُ بِمَعْرِفَةِ الْأَبْنَاءِ آكَدَ مِنَ التَّشْبِيهِ بِالْأَنْفُسِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَمُرُّ عَلَيْهِ بُرْهَةٌ مِنَ الزَّمَانِ لَا يَعْرِفُ فِيهَا نَفْسَهُ، بِخِلَافِ الْأَبْنَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَمُرُّ عَلَيْهِ زَمَانٌ إِلَّا وَهُوَ يَعْرِفُ ابْنَهُ.