لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى حَدِيثَ الْبَعْثِ فِي قَوْلِهِ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ وَاسْتَطْرَدَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ أَوْصَافِهِمُ الذَّمِيمَةِ فِي الدُّنْيَا، عَادَ إِلَى الْأَوَّلِ.
وَجَوَابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ وَتَقْدِيرُهُ لَرَأَيْتَ أَمْرًا شَنِيعًا وَهَوْلًا عَظِيمًا، وَحُذِفَ جَوَابُ (لَوْ) لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ جَائِزٌ فَصِيحٌ وَمِنْهُ (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ) الْآيَة.
و (تَرى) مُضَارِعٌ مَعْنَاهُ الْمَاضِي أَيْ: وَلَوْ رَأَيْتَ فَإِذْ بَاقِيَةٌ عَلَى كَوْنِهَا ظَرْفًا مَاضِيًا مَعْمُولًا لِتَرَى وَأَبْرَزَ هَذَا فِي صُورَةِ الْمُضِيِّ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ إِجْرَاءٌ لِلْمُحَقَّقِ الْمُنْتَظَرِ مَجْرَى الْوَاقِعِ الْمَاضِي.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرُّؤْيَةَ هُنَا بَصَرِيَّةٌ وَجَوَّزُوا أَنْ تَكُونَ مِنْ رُؤْيَةِ الْقَلْبِ، وَالْمَعْنَى وَلَوْ صَرَفْتَ فِكْرَكَ الصَّحِيحَ إِلَى تَدَبُّرِ حَالِهِمْ لَازْدَدْتَ يَقِينًا أَنَّهُمْ يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَسْوَأِ حَالٍ، فَيَجْتَمِعُ لِلْمُخَاطَبِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْخَبَرُ الصِّدْقُ الصَّرِيحُ وَالنَّظَرُ الصَّحِيحُ وَهُمَا مَدْرَكَانِ مِنْ مَدَارِكِ الْعِلْمِ الْيَقِينِ وَالْمُخَاطَبُ بِ (تَرى) الرَّسُولُ أَوِ السَّامِعُ، وَمَعْمُولُ (تَرى) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ وَلَوْ تَرى حَالَهُمْ إِذْ وُقِفُوا.
وَقِيلَ: (تَرى) بَاقِيَةٌ عَلَى الاستقبال و (إِذْ) مَعْنَاهُ (إِذَا) فَهُوَ ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ فَتَكُونُ (لَوْ) هُنَا اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمَالَ (إِنِ) الشَّرْطِيَّةِ، وَأَلْجَأَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وُقِفُوا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَمَعْنَاهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ حُبِسُوا عَلَى النَّارِ.
وَقَالَ ابْنُ السَّائِبِ: مَعْنَاهُ أُجْلِسُوا عَلَيْهَا وعَلَى بِمَعْنَى فِي أَوْ تَكُونُ عَلَى بَابِهَا وَمَعْنَى جُلُوسِهِمْ، أَنَّ جَهَنَّمَ طَبَقَاتٌ فَإِذَا كَانُوا فِي طَبَقَةٍ كَانَتِ النَّارُ تَحْتَهُمْ فِي الطَّبَقَةِ الْأُخْرَى.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: عُرِضُوا عَلَيْهَا وَمَنْ عُرِضَ عَلَى شَيْءٍ فَقَدْ وُقِفَ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: عَايَنُوهَا وَمَنْ عَايَنَ شَيْئًا وَقَفَ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: عَرَفُوا مِقْدَارَ عَذَابِهَا كَقَوْلِهِمْ: وَقَفْتُ عَلَى مَا عِنْدَ فُلَانٍ أَيْ فَهِمْتُهُ وَتَبَيَّنْتُهُ وَاخْتَارَهُ الزَّجَّاجُ.
وَقِيلَ: جُعِلُوا وُقَّفًا عَلَيْهَا كَالْوُقُوفِ الْمُؤَبَّدَةِ عَلَى سُبُلِهَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَقِيلَ: وُقِفُوا بِقُرْبِهَا
وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ النَّاسَ يُوقَفُونَ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ» .
وَقَالَ الطبري: أدخلوها ووقف فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مُتَعَدِّيَةٌ.
(فَقالُوا يَا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)
وَأَوْرَدَ بَعْضُهُمْ هُنَا سُؤَالًا فَقَالَ: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَتَمَنَّوْنَ الرَّدَّ مَعَ عِلْمِهِمْ بِتَعَذُّرِ حُصُولِهِ.
وَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: قُلْنَا لَعَلَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الرَّدَّ لَا يَحْصُلُ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْعِلْمَ بِعَدَمِ الرَّدِّ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْإِرَادَةِ كَقَوْلِهِ: (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ) و (أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ) . انْتَهَى.
وَلَا يَرِدُ هَذَا السؤال لأن التَّمَنِّي هُنَا عَلَى الْمُمْتَنِعِ وَهُوَ أَحَدُ قِسْمَيْ مَا يَكُونُ التَّمَنِّي لَهُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ يَا فِي قَوْلِهِ يَا لَيْتَ حَرْفُ تَنْبِيهِ لَا حَرْفُ نِدَاءٍ وَالْمُنَادَى مَحْذُوفٌ لِأَنَّ فِي هَذَا حَذْفَ جُمْلَةِ النِّدَاءِ وَحَذْفَ مُتَعَلّقِهِ رَأْسًا وَذَلِكَ إِجْحَافٌ كَثِيرٌ.