مُنَاسَبَةُ هَذِهِ لِمَا قَبْلَهَا أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ تَعَالَى بِالْحُكْمِ فِي شَاهِدَيِ الْوَصِيَّةِ وَأَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، ذَكَّرَ بِهَذَا الْيَوْمِ الْمَهُولِ الْمَخُوفِ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَجَمَعَ بِذَلِكَ بَيْنَ فَضِيحَةِ الدُّنْيَا وَعُقُوبَةِ الْآخِرَةِ لِمَنْ حَرَّفَ الشَّهَادَةَ وَلِمَنْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ وَلَمْ يَسْمَعْ.
وَذَكَرُوا فِي نَصْبِ يَوْمَ وُجُوهًا:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ اذْكُرُوا.
وَالثَّانِي: بِإِضْمَارِ احْذَرُوا.
وَالثَّالِثُ: بِاتَّقُوا.
وَالرَّابِعُ: بِاسْمَعُوا.
وَالْخَامِسُ: بلا يَهْدِي.
قَالَ قَوْمٌ مِنْهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَأَبُو الْبَقَاءِ قَالَا: لَا يَهْدِيهِمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ طَرِيقَ الْجَنَّةِ.
قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ أَوْ لَا يَهْدِيهِمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى الْحُجَّةِ.
وَالسَّادِسُ: أَجَازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْمَنْصُوبِ فِي قَوْلِهِ (وَاتَّقُوا اللَّهَ) وَهُوَ بَدَلُ الِاشْتِمَالِ، كَأَنَّهُ قِيلَ وَاتَّقُوا اللَّهَ يَوْمَ جَمْعِهِ وَفِيهِ بُعْدٌ لِطُولِ الْفَصْلِ بِالْجُمْلَتَيْنِ.
وَالسَّابِعُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى الظَّرْفِ وَالْعَامِلُ فِيهِ مُؤَخَّرٌ تَقْدِيرُهُ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ كَانَ كَيْتُ وَكَيْتُ قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عطية وَصْفِ الْآيَةِ وَبَرَاعَتِهَا إِنَّمَا هُوَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ مُسْتَأْنَفًا وَالْعَامِلُ اذْكُرُوا وَاحْذَرُوا مِمَّا حَسُنَ اخْتِصَارُهُ لِعِلْمِ السَّامِعِ وَالْإِشَارَةُ بِهَذَا الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَخَصَّ الرُّسُلَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ قَادَةُ الْخَلْقِ وَفِي ضِمْنِ جَمْعِهِمْ جَمْعُ الْخَلَائِقِ وَهُمُ الْمُكَلَّمُونَ أَوَّلًا انْتَهَى.
وَالَّذِي نَخْتَارُهُ غَيْرُ مَا ذَكَرُوا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ (يَوْمَ) مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ (قالُوا لَا عِلْمَ لَنا) أَيْ قَالَ الرُّسُلُ وَقْتَ جَمْعِهِمْ وَقَوْلِ اللَّهِ لَهُمْ (مَاذَا أُجِبْتُمْ) وَصَارَ نَظِيرَ مَا قُلْنَاهُ فِي قَوْلِهِ (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ)
وَسُؤَالُهُ تَعَالَى إِيَّاهُمْ بِقَوْلِهِ (مَاذَا أُجِبْتُمْ) سُؤَالُ تَوْبِيخٍ لِأُمَمِهِمْ لِتَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ وَيُبْتَدَأَ حِسَابُهُمْ كَمَا سئلت الموءودة تَوْبِيخًا لِوَائِدِهَا وَتَوْقِيفًا لَهُ عَلَى سُوءِ فِعْلِهِ.
وَنَفْيُهُمُ الْعِلْمَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ (لَا عِلْمَ لَنا) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا عِلْمًا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا كَأَنَّ الْمَعْنَى لَا عِلْمَ لَنَا يَكْفِي وَيَنْتَهِي إِلَى الْغَايَةِ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ مَعْنَى (مَاذَا أُجِبْتُمْ) مَاذَا عَمِلُوا بَعْدَكُمْ وَمَاذَا أَحْدَثُوا فَلِذَلِكَ قَالُوا (لَا عِلْمَ لَنا) وَيُؤَيِّدُهُ (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) إِلَّا أَنَّ لَفْظَةَ مَاذَا أُجِبْتُمْ تنبو عن أَنْ تُشْرَحَ بِقَوْلِهِ مَاذَا عَمِلُوا.
وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ عَنِ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَالسُّدِّيِّ وَسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ أَقْوَالًا فِي تَفْسِيرِ قَوْلَهُمْ (لَا عِلْمَ لَنا) لَا تُنَاسِبُ الرُّسُلَ أَضْرَبْتُ عَنْ ذِكْرِهَا صَفْحًا.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ يَقُولُونَ (لَا عِلْمَ لَنَا) وَقَدْ عَلِمُوا مَا أُجِيبُوا؟
(قُلْتُ) يَعْلَمُونَ أَنَّ الْغَرَضَ بِالسُّؤَالِ تَوْبِيخُ أَعْدَائِهِمْ فَيَكِلُونَ الْأَمْرَ إِلَى عِلْمِهِ، وَإِحَاطَتِهِ بِمَا مُنُّوا بِهِ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ أَعْظَمُ عَلَى الْكَفَرَةِ وَأَفَتُّ فِي أَعَضَادِهِمْ، وَأَجْلَبُ لِحَسْرَتِهِمْ وَسُقُوطِهِمْ فِي أَيْدِيهِمْ إِذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ تَوْبِيخُ اللَّهِ تَعَالَى وَتَشَكِّي أَنْبِيَائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَمِثَالُهُ أَنْ يَنْكُتَ بَعْضُ الْخَوَارِجِ عَلَى السُّلْطَانِ خَاصَّةً مِنْ خَوَاصِّهِ نُكْتَةً قَدْ عَرَفَهَا السُّلْطَانُ وَاطَّلَعَ عَلَى كُنْهِهَا، وَعَزَمَ عَلَى الِانْتِصَارِ لَهُ مِنْهُ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيَقُولُ لَهُ مَا فَعَلَ بِكَ هَذَا الْخَارِجِيُّ وَهُوَ عَالِمٌ بِمَا فَعَلَ بِهِ يُرِيدُ تَوْبِيخَهُ وَتَبْكِيتَهُ، فَيَقُولُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا فَعَلَ بِي تَفْوِيضًا لِلْأَمْرِ إِلَى عِلْمِ سُلْطَانِهِ وَاتِّكَالًا عَلَيْهِ وَإِظْهَارًا لِشِكَايَتِهِ وَتَعْظِيمًا لِمَا بِهِ انْتَهَى.
وَلَيْسَتِ الْآيَةُ كَهَذَا الْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ لِأَنَّ فِي الْآيَةِ (لَا عِلْمَ لَنا) وَهَذَا نَفْيٌ لِسَائِرِ أَفْرَادِ الْعِلْمِ عَنْهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِجَابَةِ.
وَفِي الْمِثَالِ أَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا فَعَلَ بِي وَهَذَا لَا يَنْفِي الْعِلْمَ عَنْهُ غَيْرَ أَنَّهُ أَثْبَتَ لِسُلْطَانِهِ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْخَارِجِيِّ مِنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْفَضْلِ فِي قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ لِأَنَّ السُّؤَالَ إِنَّمَا وَقَعَ عَنْ كُلِّ الْأُمَّةِ وَكُلُّ الْأُمَّةِ مَا كَانُوا كَافِرِينَ حَتَّى يُرِيدَ الرَّسُولُ تَوْبِيخَهُمْ.
وَقِيلَ مَعْنَاهُ عِلْمُنَا سَاقِطٌ مَعَ عِلْمِكَ وَمَغْمُورٌ بِهِ لِأَنَّكَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ وَمَنْ عَلِمَ الْخَفِيَّاتِ لَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ الظَّوَاهِرُ الَّتِي مِنْهَا إِجَابَةُ الْأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ فَكَأَنَّهُ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا جَنْبَ عِلْمِكَ حَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ.
قَالَ الزَّجَّاجُ مَعْنَاهُ مُخْتَصَرًا.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَصْوَبُ لِأَنَّهُ يَتَرَجَّحُ بِالتَّسْلِيمِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَرَدِّ الْأَمْرِ إِلَيْهِ إِذْ لَا يَعْلَمُونَ إِلَّا بِمَا شُوفِهُوا بِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِمْ وَيَنْقُصُهُمْ مَا فِي قُلُوبِ الْمُشَافِهِينَ مِنْ نِفَاقٍ وَنَحْوِهِ وَمَا كَانَ بَعْدَهُمْ مِنْ أُمَمِهِمْ وَاللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ جَمِيعَ ذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ وَالْكَمَالِ فَرَأَوُا التَّسْلِيمَ لَهُ وَالْخُشُوعَ لِعِلْمِهِ الْمُحِيطِ انْتَهَى.
وَقِيلَ لَا عِلْمَ لَنَا بِمَا كَانَ بَعْدَنَا وَإِنَّمَا الْحُكْمُ لِلْخَاتِمَةِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَكَيْفَ يَخْفَى عَلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ وَقَدْ رَأَوْهُمْ سُودَ الْوُجُوهِ زُرْقَ الْعُيُونِ مُوَبَّخِينَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْفَضْلِ الْأَصَحُّ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْ تَعْلَمُ مَا أَظْهَرُوا وَمَا أَضْمَرُوا وَنَحْنُ مَا نَعْلَمُ إِلَّا مَا أَظْهَرُوا فَعِلْمُكَ فِيهِمْ أَنْفَذُ مِنْ عِلْمِنَا فَبِهَذَا الْمَعْنَى نَفُوا الْعِلْمَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ لِأَنَّ عِلْمَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ كَلَا عِلْمٍ انْتَهَى.
فَيَكُونُ مِمَّا نُفِيَتْ فِيهِ الْحَقِيقَةُ ظَاهِرًا وَالْمَقْصُودُ نَفْيُ الْكَمَالِ كَأَنَّهُ قَالَ:
لَا عِلْمَ لَنَا كَامِلٌ، تَقُولُ لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ أَيْ كَامِلُ الرُّجُولِيَّةِ فِي قوته وَنَفَاذِهِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ ثَبَتَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ الْعِلْمَ غَيْرٌ وَالظَّنَّ غَيْرٌ وَالْحَاصِلُ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ مِنَ الْغَيْرِ إِنَّمَا هُوَ الظَّنُّ لَا الْعِلْمُ وَلِذَلِكَ
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّوَاهِرِ وَاللَّهُ مُتَوَلِّي السَّرَائِرَ» .
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ .. » الْحَدِيثَ.
وَالْأَنْبِيَاءُ قَالُوا: لَا عِلْمَ لَنَا ألْبَتَّةَ بِأَحْوَالِهِمْ إِنَّمَا الْحَاصِلُ عِنْدَنَا مِنْ أَحْوَالِهِمْ هُوَ الظَّنُّ وَالظَّنُّ كَانَ مُعْتَبَرًا فِي الدُّنْيَا لِأَنَّ الْأَحْكَامَ فِي الدُّنْيَا كَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى الظُّنُونِ أَمَّا الْآخِرَةُ فَلَا الْتِفَاتَ فِيهَا إِلَى الظن لأن الأحكام فيها مَبْنِيَّةٌ عَلَى حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ وَبَوَاطِنِ الْأُمُورِ فَلِهَذَا السَّبَبِ قالوا لا عِلْمَ وَلَمْ يَذْكُرُوا ألْبَتَّةَ مَا مَعَهُمْ مِنَ الظَّنِّ، لِأَنَّ الظَّنَّ لَا عِبْرَةَ بِهِ فِي الْقِيَامَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَا عِلْمَ لَنَا بِسُؤَالِكَ وَلَا جَوَابَ لَنَا عَنْهُ.