وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا) إِشَارَةٌ إِلَى مُدَّةِ الْعُمُرِ فِي الدُّنْيَا، وَلْيَبْكُوا كثيرا إشارة إلى تأييد الْخُلُودِ، فَجَاءَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَمَعْنَاهُ الْخَبَرُ عَنْ حَالِهِمْ. قال ابن عطية: ويحتمل أَنْ تَكُونَ صِفَةَ حَالِهِمْ أَيْ: هُمْ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الحظر مَعَ اللَّهِ وَسُوءِ الْحَالِ، بِحَيْثُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ضَحِكُهُمْ قَلِيلًا وَبُكَاؤُهُمْ كَثِيرًا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ وَقْتَ الضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ فِي الدُّنْيَا نَحْوُ
قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لأمته: «لو تعلمون مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا»
وَانْتَصَبَ (قَلِيلًا وكثيرا) عَلَى الْمَصْدَرِ، لِأَنَّهُمَا نَعْتٌ لِلْمَصْدَرِ أَيْ: ضَحِكًا قَلِيلًا وَبُكَاءً كَثِيرًا.
وَهَذَا مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُحْذَفُ فِيهَا الْمَنْعُوتُ، وَيَقُومُ نَعْتُهُ مَقَامَهُ، وَذَلِكَ لِدَلَالَةِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا نَعْتًا لِظَرْفٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: زَمَانًا قَلِيلًا، وَزَمَانًا كَثِيرًا انْتَهَى.
وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ، لِأَنَّ دَلَالَةَ الْفِعْلِ عَلَى الْمَصْدَرِ بِحُرُوفِهِ وَدَلَالَتُهُ عَلَى الزَّمَانِ بِهَيْئَتِهِ، فَدَلَالَتُهُ عَلَى الْمَصْدَرِ أَقْوَى.
وَانْتَصَبَ (جَزَاءً) عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ، وَهُوَ مُتَعَلّقٌ بِقَوْلِهِ: (وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا) .