(وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا)
وَانْدَرَجَ فِي قَوْلِهِ: (شَيْئًا) الْقِتَالُ، لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ بِالطَّبْعِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْأَسْرِ وَالْقَتْلِ، وَإِفْنَاءِ الْأَبْدَانِ، وَإِتْلَافِ الْأَمْوَالِ.
وَالْخَيْرُ الَّذِي فِيهِ هُوَ الظَّفَرُ. وَالْغَنِيمَةُ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى النُّفُوسِ، وَالْأَمْوَالِ أَسْرًا وَقَتْلًا وَنَهْبًا وَفَتْحًا، وَأَعْظَمُهَا الشَّهَادَةُ وَهِيَ الْحَالَةُ الَّتِي تَمَنَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِرَارًا.
(وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ)
(عَسَى) هُنَا لِلتَّرَجِّي، ومجيئها لَهُ هُوَ الْكَثِيرُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، وَقَالُوا: كُلُّ (عَسَى) فِي الْقُرْآنِ لِلتَّحْقِيقِ، يَعْنُونَ بِهِ الْوُقُوعَ إِلَّا قَوْلَهُ تَعَالَى: (عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا) .
وَانْدَرَجَ فِي قَوْلِهِ: (شَيْئًا) الْخُلُودُ إِلَى الرَّاحَةِ وَتَرْكُ الْقِتَالِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مَحْبُوبٌ بِالطَّبْعِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ ضِدِّ مَا قَدْ يُتَوَقَّعُ مِنَ الشَّرِّ فِي الْقِتَالِ، وَالشَّرُّ الَّذِي فِيهِ هُوَ ذُلُّهُمْ، وَضَعْفُ أَمْرِهِمْ، وَاسْتِئْصَالُ شَأْفَتِهِمْ، وَسَبْيُ ذَرَارِيهِمْ، وَنَهْبُ أَمْوَالِهِمْ، وَمِلْكُ بلادهم.
(وَاللَّهُ يَعْلَمُ) مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ حَيْثُ كَلَّفَكُمُ الْقِتَالَ (وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) مَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ مُغَيَّبَةٌ عَنْ عِلْمِكُمْ، وَفِي هَذَا الْكَلَامِ تَنْبِيهٌ عَلَى الرِّضَى بِمَا جَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ.
قَالَ الْحَسَنُ: لَا تَكْرَهُوا الْمُلِمَّاتِ الْوَاقِعَةَ، فَلَرُبَّ أَمْرٍ تَكْرَهُهُ فِيهِ أَرَبُكَ، وَلَرُبَّ أَمْرٍ تُحِبُّهُ فِيهِ عَطَبُكَ.
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ:
رُبَّ أَمْرٍ تَتَّقِيهِ ... جَرَّ أَمْرًا تَرْتَضِيهِ
خُفِيَ الْمَحْبُوبُ مِنْهُ ... وَبَدَا الْمَكْرُوهُ فِيهِ
وَقَالَ الْوَضَّاحِيُّ:
رُبَّمَا خُيِّرَ الْفَتَى ... وَهْوَ لِلْخَيْرِ كَارِهُ
وَقَالَ ابْنُ السَّرْحَانِ:
كَمْ فَرْحَةٌ مَطْوِيَّةٌ ... لَكَ بَيْنَ أَثْنَاءِ الْمَصَائِبْ
وَمَسَرَّةٌ قَدْ أَقْبَلَتْ ... مِنْ حَيْثُ تُنْتَظَرُ النَّوَائِبْ
وَقَالَ آخَرُ:
كَمْ مَرَّةً حَفَّتْ بِكَ الْمَكَارِهْ ... خَارَ لَكَ اللَّهُ وَأَنْتَ كَارِهْ