وَلَمَّا ذَكَرَ الْعَذَابَ وَأَقْسَمَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَأَنَّهُمْ لَا يُفْلِتُونَ مِنْهُ، ذَكَرَ بَعْضَ أَحْوَالِ الظَّالِمِينَ فِي الْآخِرَةِ.
وَ (ظَلَمَتْ) صِفَةٌ لِنَفْسٍ، وَالظُّلْمُ هُنَا الشِّرْكُ وَالْكُفْرُ، وَ (افْتَدَى) يَأْتِي مُطَاوِعًا لَفَدَى، فَلَا يَتَعَدَّى تَقُولُ: فَدَيْتُهُ فَافْتَدَى، وَبِمَعْنَى فَدَى فَيَتَعَدَّى، وَهُنَا يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ.
وَ (مَا فِي الْأَرْضِ) أَيْ: مَا كَانَ لَهَا فِي الدُّنْيَا مِنَ الْخَزَائِنِ وَالْأَمْوَالِ وَالْمَنَافِعِ.
(وَأَسَرُّوا) مِنَ الْأَضْدَادِ تَأْتِي بِمَعْنَى أَظْهَرَ.
قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
وَلَمَّا رَأَى الْحَجَّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ ... أَسَرَّ الْحَرُورِيُّ الَّذِي كَانَ أَظْهَرَا
وَقَالَ آخَرُ:
فَأَسْرَرْتُ النَّدَامَةَ يَوْمَ نَادَى ... بِرَدِّ جِمَالِ غَاضِرَةَ الْمُنَادِي
وَتَأْتِي بِمَعْنَى أَخْفَى وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِيهَا كَقَوْلِهِ: (يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ)
وَيَحْتَمِلُ هُنَا الْوَجْهَيْنِ. أَمَّا الْإِظْهَارُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِيَوْمِ تَصَبُّرٍ وَلَا تَجَلُّدٍ وَلَا يَقْدِرُ فِيهِ الْكَافِرُ عَلَى كِتْمَانِ مَا نَالَهُ، وَلِأَنَّ حَالَةَ رُؤْيَةِ الْعَذَابِ يَتَحَسَّرُ الْإِنْسَانُ عَلَى اقْتِرَافِهِ مَا أَوْجَبَهُ، وَيُظْهِرُ النَّدَامَةَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ الْفَوْزِ وَمِنَ الْخَلَاصِ مِنَ الْعَذَابِ، وَقَدْ قَالُوا: (رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا) .
وَأَمَّا إِخْفَاءُ النَّدَامَةِ فَقِيلَ: أَخْفَى رُؤَسَاؤُهُمُ النَّدَامَةَ مِنْ سَفَلَتِهِمْ حَيَاءً مِنْهُمْ وَخَوْفًا مِنْ تَوْبِيخِهِمْ، وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ، لِأَنَّ مَنْ عَايَنَ الْعَذَابَ هُوَ مَشْغُولٌ بِمَا يُقَاسِيهِ مِنْهُ فَكَيْفَ لَهُ فِكْرٌ فِي الْحَيَاءِ وَفِي التَّوْبِيخِ الْوَارِدِ مِنَ السَّفَلَةِ.
وَأَيْضًا (وَأَسَرُّوا) عَائِدٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ عَلَى الْمَعْنَى، وَهُوَ عَامٌّ فِي الرُّؤَسَاءِ وَالسَّفَلَةِ.
وَقِيلَ: إِخْفَاءُ النَّدَامَةِ هُوَ مِنْ كَوْنِهِمْ بُهِتُوا لِرُؤْيَتِهِمْ مَا لَمْ يَحْسَبُوهُ وَلَا خَطَرَ بِبَالِهِمْ، وَمُعَايَنَتُهُمْ مَا أَوْهَى قُوَاهُمْ فَلَمْ يُطِيقُوا عِنْدَ ذَلِكَ بُكَاءً وَلَا صُرَاخًا. وَلَا مَا يَفْعَلُهُ الْجَازِعُ سِوَى إِسْرَارِ النَّدَمِ وَالْحَسْرَةِ فِي الْقُلُوبِ، كَمَا يَعْرِضُ لِمَنْ يُقَدَّمُ لِلصَّلْبِ لَا يَكَادُ يَنْبِسُ بِكَلِمَةٍ، وَيَبْقَى مَبْهُوتًا جَامِدًا.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ) أَخْلَصُوا لِلَّهِ فِي تِلْكَ النَّدَامَةِ، أَوْ بَدَتْ بِالنَّدَامَةِ أَسِرَّةُ وُجُوهِهِمْ أَيْ: تَكَاسِيرُ جِبَاهِهِمْ فَفِيهِ بُعْدٌ عن
سِيَاقِ الْآيَةِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) جُمْلَةُ أَخْبَارٍ مُسْتَأْنَفَةٍ، وَلَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلَى مَا فِي حَيِّزِ لَمَّا، وَأَنَّ الضَّمِيرُ فِي (بَيْنِهِمْ) عَائِدٌ عَلَى (كُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ) .
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَ الظَّالِمِينَ وَالْمَظْلُومِينَ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ ذِكْرُ الظُّلْمِ انْتَهَى.
وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ.
وَقِيلَ: عَلَى الرُّؤَسَاءِ وَالْأَتْبَاعِ.