فهرس الكتاب

الصفحة 2402 من 4059

{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) }

(لَعَنَّاهُمْ)

أَيْ طَرَدْنَاهُمْ وَأَبْعَدْنَاهُمْ مِنَ الرَّحْمَةِ، أَوْ عذبناهم بالمسح قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ كَمَا قَالَ: (أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ) أَيْ نَمْسَخَهُمْ كَمَا مَسَخْنَاهُمْ) أَوْ عَذَّبْنَاهُمْ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: نَقَضُوا الْمِيثَاقَ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جَاءُوا بَعْدَ مُوسَى وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَتَضْيِيعِ الْفَرَائِضِ.

(وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً)

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَافِيَةً جَافَّةً.

وَقِيلَ: غَلِيظَةً لَا تَلِينُ.

وَقِيلَ: مُنْكِرَةً لَا تَقْبَلُ الْوَعْظَ، وَكُلُّ هَذَا مُتَقَارِبٌ. وَقَسْوَةُ الْقَلْبِ غِلَظُهُ وَصَلَابَتُهُ حَتَّى لَا يَنْفَعِلَ لِخَيْرٍ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ مِنَ السَّبْعَةِ: قَاسِيَةً: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ قَسَا يَقْسُو.

وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: قَسِيَّةً: بِغَيْرِ أَلِفٍ وَبِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَهِيَ فَعِيلٌ لِلْمُبَالَغَةِ كَشَاهِدٍ وَشَهِيدٍ.

وَقَالَ قَوْمٌ: هَذِهِ الْقِرَاءَةُ لَيْسَتْ مِنْ مَعْنَى الْقَسْوَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ كَالْقَسِيَّةِ مِنَ الدَّرَاهِمِ، وَهِيَ الَّتِي خَالَطَهَا غِشٌّ وَتَدْلِيسٌ، وَكَذَلِكَ القلوب لم يصل الْإِيمَانُ بَلْ خَالَطَهَا الْكُفْرُ وَالْفَسَادُ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ (قَسِيَّةً) أَيْ رَدِيئَةً مَغْشُوشَةً مِنْ قَوْلِهِمْ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ، وَهُوَ مِنَ الْقَسْوَةِ، لِأَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ الْخَالِصَتَيْنِ فِيهِمَا لِينٌ، وَالْمَغْشُوشُ فِيهِ يُبْسٌ وَصَلَابَةٌ.

وَالْقَاسِي وَالْقَاسِحُ بِالْحَاءِ أَخَوَانِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْيُبْسِ وَالصَّلَابَةِ انْتَهَى.

(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ)

أَيْ يُغَيِّرُونَ مَا شَقَّ عَلَيْهِمْ مِنْ أَحْكَامِهَا، كَآيَةِ الرَّجْمِ بَدَّلُوهَا لِرُؤَسَائِهِمْ بِالتَّحْمِيمِ وَهُوَ تَسْوِيدُ الْوَجْهِ بِالْفَحْمِ قَالَ مَعْنَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، وَقَالُوا:

التَّحْرِيفُ بِالتَّأْوِيلِ لَا بِتَغْيِيرِ الْأَلْفَاظِ، وَلَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى تَغْيِيرِهَا وَلَا يُمْكِنُ. أَلَا تَرَاهُمْ وَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ؟

وَقَالَ مُقَاتِلٌ: تَحْرِيفُهُمُ الْكَلِمَ هُوَ تَغْيِيرُهُمْ صِفَةَ الرَّسُولِ أَزَالُوهَا وَكَتَبُوا مَكَانَهَا صِفَةً أُخْرَى فَغَيَّرُوا الْمَعْنَى وَالْأَلْفَاظَ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّ تَحْرِيفَ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ هُوَ التَّغْيِيرُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَمَنِ اطَّلَعَ عَلَى التَّوْرَاةِ عَلِمَ ذَلِكَ حَقِيقَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ وَمَا بَعْدَهَا جَاءَتْ بَيَانًا لِقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، وَلَا قَسْوَةَ أَشَدُّ مِنَ الِافْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَغْيِيرِ وَحْيِهِ.

(وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ)

وَهَذَا أَيْضًا مِنْ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ وَسُوءِ فِعْلِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ، حَيْثُ ذُكِّرُوا بِشَيْءٍ فَنَسُوهُ وَتَرَكُوهُ، وَهَذَا الْحَظُّ مِنَ الْمِيثَاقِ الْمَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ.

وَقِيلَ: لَمَّا غَيَّرُوا مَا غَيَّرُوا مِنَ التَّوْرَاةِ اسْتَمَرُّوا عَلَى تِلَاوَةِ مَا غَيَّرُوهُ، فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا فِي التَّوْرَاةِ قَالَهُ مُجَاهِدٌ.

وَقِيلَ: أَنْسَاهُمْ نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ بِسَبَبِ مَعَاصِيهِمْ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَدْ يَنْسَى الْمَرْءُ بَعْضَ الْعِلْمِ بِالْمَعْصِيَةِ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ.

وَقَالَ الشَّاعِرُ:

شَكَوْتُ إِلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي ... فَأَوْمَأَ لِي إِلَى تَرْكِ الْمَعَاصِي

وَقِيلَ: تَرَكُوا نَصِيبَهُمْ مِمَّا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِالرَّسُولِ وَبَيَانِ نَعْتِهِ.

(وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ)

أَيْ هَذِهِ عَادَتُهُمْ وَدَيْدَنُهُمْ مَعَكَ، وَهُمْ عَلَى مَكَانِ أَسْلَافِهِمْ مِنْ خِيَانَةِ الرُّسُلِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ. فَهُمْ لَا يَزَالُونَ يُخَوِّفُونَكَ وَيَنْكُثُونَ عُهُودَكَ، وَيُظَاهِرُونَ عَلَيْكَ أَعْدَاءَكَ، وَيَهُمُّونَ بِالْقَتْلِ بِكَ، وَأَنْ يُسِمُّوكَ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْخَائِنَةُ مَصْدَرًا كَالْعَافِيَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قِرَاءَةُ الْأَعْمَشِ عَلَى خِيَانَةٍ، أَوِ اسْمَ فَاعِلٍ، وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ كَرَاوِيَةٍ أَيْ خَائِنٍ، أَوْ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ أَيْ قَرْيَةٍ خَائِنَةٍ، أَوْ فِعْلَةٍ خَائِنَةٍ، أَوْ نَفْسٍ خَائِنَةٍ.

وَالظَّاهِرُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُ مِنَ الْأَشْخَاصِ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَالْمُسْتَثْنَوْنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ قَالَهُ: ابْنُ عَبَّاسٍ.

وَقَالَ ابن عطية: ويحتمل إن يكون فِي الْأَفْعَالِ أَيْ: إِلَّا فِعْلًا قَلِيلًا مِنْهُمْ، فَلَا تَطَّلِعُ فِيهِ عَلَى خِيَانَةٍ.

وَقِيلَ: الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً) وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ، فَإِنَّ الْقَسْوَةَ زَالَتْ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ.

(فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)

ظَاهِرُهُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالصَّفْحُ عَنْهُمْ جَمِيعِهُمْ، وَذَلِكَ بَعْثٌ عَلَى حُسْنِ التَّخَلُّقِ مَعَهُمْ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:

يَجُوزُ أَنْ يعفو عنهم في غدرة فَعَلُوهَا مَا لَمْ يَنْصِبُوا حَرْبًا، وَلَمْ يَمْتَنِعُوا مِنْ أَدَاءِ جِزْيَةٍ.

وَقِيلَ: الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى مَنْ آمَنُ مِنْهُمْ، فَلَا تُؤَاخِذْهُمْ بِمَا سَلَفَ مِنْهُمْ، فَيَكُونُ عَائِدًا عَلَى الْمُسْتَثْنَيْنَ.

وَقِيلَ: هَذَا الْأَمْرُ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

وَقِيلَ: بِقَوْلِهِ: (قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) .

وَقِيلَ: بِقَوْلِهِ: (وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً) وَفُسِّرَ قَوْلُهُ: (يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) بِالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ، وَبِالَّذِينِ أَحْسَنُوا عَمَلَهُمْ بِالْإِيمَانِ، وَبِالْمُسْتَثْنَيْنَ وَهُمُ الَّذِينَ مَا نَقَضُوا الْعَهْدَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَبِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّهُ الْمَأْمُورُ فِي الْآيَةِ بِالصَّفْحِ وَالْعَفْوِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت