وَالضَّمِيرُ فِي (عَالِيَهَا) عَائِدٌ عَلَى مَدَائِنِ قَوْمِ لُوطٍ، جَعَلَ جِبْرِيلُ جَنَاحَهُ فِي أَسْفَلِهَا ثُمَّ رَفَعَهَا إِلَى السَّمَاءِ، حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ نُبَاحَ الْكِلَابِ وَصِيَاحَ الدِّيَكَةِ، ثُمَّ قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ، وَأُتْبِعُوا الْحِجَارَةَ مِنْ فَوْقِهِمْ وَهِيَ الْمُؤْتَفِكَاتُ سَبْعُ مَدَائِنَ.
وَقِيلَ: خَمْسٌ عَدَّهَا الْمُفَسِّرُونَ، وَفِي ضَبْطِهَا إِشْكَالٌ، فَأَهْمَلْتُ ذِكْرَهَا. وسدوم هي الْقَرْيَةِ الْعُظْمَى.
(وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى أَهْلِهَا.
وَرُوِيَ أَنَّ الْحِجَارَةَ أَصَابَتْ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ خَارِجَ مُدُنِهِمْ حَتَّى قَتَلَتْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَأَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي الْحَرَمِ فَبَقِيَ الْحَجَرُ مُعَلَّقًا فِي الْهَوَاءِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ الْحَجَرُ.
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَابْنُ زَيْدٍ: السِّجِّيلُ اسْمٌ لِسَمَاءِ الدُّنْيَا، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِوَصْفِهِ بِمَنْضُودٍ.
وَقِيلَ: مِنْ أَسْجَلَهُ إِذَا أَرْسَلَهُ.
وَقِيلَ: مِمَّا كَتَبَ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَ بِهِ مِنَ السِّجِلِّ، وَسَجَّلَ لِفُلَانٍ.
وَمَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ: مَاءٌ وَطِينٌ، هَذَا قَوْلِ: ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَابْنُ جُبَيْرٍ، وعكرمة، وَالسُّدِّيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْحِجَارَةَ الَّتِي رُمُوا بِهَا كَانَتْ كَالْآجُرِّ الْمَطْبُوخِ.
وَقِيلَ: حَجَرٌ مَخْلُوطٌ بِطِينٍ أَيْ حَجَرٌ وَطِينٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَعُودَ هَذَا إِلَى الْآجُرِّ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الشَّدِيدُ مِنَ الْحِجَارَةِ الصُّلْبُ.
(مُسَوَّمَةً) عَلَيْهَا سِيمَا يُعْلَمُ بِهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حِجَارَةِ الْأَرْضِ قَالَهُ: ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ: إِنَّهُ كَانَ فِيهَا بَيَاضٌ.
وَقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَنْ رُمِيَ بِهِ.
قَالَهُ الرَّبِيعُ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ: بَيَاضٌ فِي حُمْرَةٍ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: الْحَجَرُ أَبْيَضُ فِيهِ نُقْطَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَسْوَدُ فِيهِ نُقْطَةٌ بَيْضَاءُ.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ أَيْضًا: فِيهَا خُطُوطٌ حُمْرٌ عَلَى هَيْئَةِ الْجِزْعِ.
وقيل: وكانت مثل رءوس الْإِبِلِ، وَمِثْلَ مَبَارِكِ الْإِبِلِ.
وَقِيلَ: قَبْضَةُ الرَّجُلِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ: مَعْنَى مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ، جَاءَتْ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ.
وَقِيلَ: مُعَدَّةٌ عِنْدَ رَبِّكَ قَالَهُ: أبو بكر الهذلي.
وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الْمَعْنَى لَزِمَ هَذَا التَّسْوِيمُ الْحِجَارَةَ عِنْدَ اللَّهِ إِيذَانًا بِنَفَاذِ قُدْرَتِهِ وَشِدَّةِ عَذَابِهِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ ضَمِيرَ (هِيَ) عَائِدٌ عَلَى الْقُرَى الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ أَعَالِيَهَا أَسَافِلَهَا، وَالْمَعْنَى: أَنَّ ذَوَاتِ هَذِهِ الْمُدُنِ كَانَتْ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ، يَمُرُّ عَلَيْهَا قُرَيْشٌ فِي مَسِيرِهِمْ، فَالنَّظَرُ إِلَيْهَا وَفِيهَا فِيهِ اعْتِبَارٌ وَاتِّعَاظٌ.
وَقِيلَ: هِيَ عَائِدَةٌ عَلَى الْحِجَارَةِ، وَهِيَ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَا عُقُوبَتُهُمْ مِمَّنْ يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ بِبَعِيدٍ، وَالظَّاهِرُ عُمُومُ الظَّالِمِينَ.
وَقِيلَ: عُنِيَ بِهِ قُرَيْشٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ بِالْحِجَارَةِ»
وَقِيلَ: مُشْرِكُو الْعَرَبِ.
وَقِيلَ: قَوْمُ لُوطٍ أَيْ: لَمْ تَكُنِ الْحِجَارَةُ تُخْطِئُهُمْ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «سَيَكُونُ فِي أَوَاخِرِ أُمَّتِي قَوْمٌ يَكْتَفِي رِجَالُهُمْ بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَارْتَقِبُوا عَذَابَ قَوْمِ لُوطٍ أَنْ يُرْسِلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ثُمَّ تَلَا: وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ»
وَإِذَا كَانَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (وَمَا هِيَ) عائد عَلَى الْحِجَارَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِشَيْءٍ بَعِيدٍ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ، لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي السَّمَاءِ وَهِيَ مَكَانٌ بَعِيدٌ، إِلَّا أَنَّهَا إِذَا هَوِيَتْ مِنْهَا فَهِيَ أَسْرَعُ شَيْءٍ لُحُوقًا بِالْمَرْمِيِّ، فَكَأَنَّهَا بِمَكَانٍ قريب منه.