فهرس الكتاب

الصفحة 2327 من 4059

{وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا(159)}

(إِنْ) هُنَا نَافِيَةٌ، وَالْمُخْبَرُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ قَامَتْ صِفَتُهُ مَقَامَهُ، التَّقْدِيرُ: وَمَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. كَمَا حُذِفَ فِي قَوْلِهِ: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) وَالْمَعْنَى: وَمَا مِنَ الْيَهُودِ.

وَقَوْلُهُ: (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) أَيْ: وَمَا أَحَدٌ مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ، وَمَا أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا.

قَالَ الزَّجَّاجُ: وَحُذِفَ (أَحَدٌ) لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ فِي كُلِّ نَفْيٍ يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْنَاءُ نَحْوَ: مَا قَامَ إِلَّا زَيْدٌ، مَعْنَاهُ مَا قَامَ أَحَدٌ إِلَّا زَيْدٌ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَيْنِ فِي: بِهِ، وموته، عائدان أنّ عَلَى عِيسَى وَهُوَ سِيَاقُ الْكَلَامِ، وَالْمَعْنَى: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَكُونُونَ فِي زمان نزوله.

رُوِيَ أَنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا يُؤْمِنُ بِهِ، حَتَّى تَكُونَ الْمِلَّةُ وَاحِدَةً وَهِيَ مِلَّةُ الْإِسْلَامُ.

[وقيل] الضَّمِيرُ فِي (بِهِ) لِعِيسَى، وَفِي (مَوْتِهِ) لِكِتَابِيٍّ وَقَالُوا: وَلَيْسَ يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى وَيَعْلَمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَلَكِنْ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ لِلْمَوْتِ فَهُوَ إِيمَانٌ لَا يَنْفَعُهُ كَمَا لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ إِيمَانُهُ وَقْتَ الْمُعَايَنَةِ. وَبَدَأَ بِمَا يُشْبِهُ هَذَا لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ. قَالَ: وَالْمَعْنَى مَا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَحَدٌ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعِيسَى، وَبِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ؟ يَعْنِي: إِذَا عَايَنَ قَبْلَ أَنْ تَزْهَقَ رُوحُهُ حِينَ لَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ لِانْقِطَاعِ وَقْتِ التَّكْلِيفِ.

(فَإِنْ قُلْتَ) فَمَا فَائِدَةُ الْإِخْبَارِ بِإِيمَانِهِمْ بِعِيسَى قَبْلَ مَوْتِهِمْ؟

(قُلْتُ) فَائِدَتُهُ الْوَعِيدُ، وَلْيَكُنْ عِلْمُهُمْ بِأَنَّهُمْ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ عَنْ قَرِيبٍ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمْ بَعْثًا لَهُمْ وَتَنْبِيهًا عَلَى مُعَالَجَةِ الْإِيمَانِ بِهِ فِي أَوَانِ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَلِيَكُونَ إِلْزَامًا لِلْحُجَّةِ لَهُمْ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) يَشْهَدُ عَلَى الْيَهُودِ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوهُ، وَعَلَى النَّصَارَى بِأَنَّهُمْ دَعَوْهُ ابْنُ اللَّهِ انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَقَالَ أَيْضًا: وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُحْيِيهِمْ فِي قُبُورِهِمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَيُعْلِمُهُمْ نُزُولَهُ وَمَا نَزَلَ لَهُ، وَيُؤْمِنُونَ بِهِ حِينَ لَا يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ انْتَهَى.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الضَّمِيرُ فِي (بِهِ) لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَفِي مَوْتِهِ لِلْكِتَابِيِّ. قَالَ: وَلَيْسَ يَخْرُجُ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ، وَلَوْ غَرِقَ أَوْ سَقَطَ عَلَيْهِ جِدَارٌ فَإِنَّهُ يُؤْمِنُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.

وَقِيلَ: يَعُودُ فِي (بِهِ) عَلَى اللَّهِ، وَفِي مَوْتِهِ عَلَى أَحَدٍ الْمُقَدَّرِ.

قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: إِذَا نَزَلَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَتْلِ الدَّجَّالِ، لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ إِلَّا آمَنَ بِاللَّهِ حِينَ يَرَوْنَ قَتْلَ الدَّجَّالِ، وَتَصِيرُ الْأُمَمُ كُلُّهَا

وَاحِدَةً عَلَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ.

(وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا)

أَيْ: شَهِيدًا عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْيَهُودِ بِتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ وَطَعْنِهِمْ فِيهِ، وَعَلَى النصارى بجعلهم إياه إلها مَعَ اللَّهِ أَوِ ابْنًا لَهُ، وَالضَّمِيرُ فِي (يَكُونُ) لِعِيسَى.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت