و (آثرك) فَضَّلَكَ بِالْمُلْكِ، أَوْ بِالصَّبْرِ، وَالْعِلْمِ، أَوْ بِالْحِلْمِ وَالصَّفْحِ، أَوْ بِحُسْنِ الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ، وَالْعِلْمِ، وَالْحِلْمِ، وَالْإِحْسَانِ، وَالْمُلْكِ، وَالسُّلْطَانِ، وَبِصَبْرِكَ عَلَى أَذَانَا. أَوْ بِالتَّقْوَى، وَالصَّبْرِ وَسِيرَةِ الْمُحْسِنِينَ قَالَهُ: الزَّمَخْشَرِيُّ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ) الْآيَة.
وَخِطَابُهُمْ إِيَّاهُ بِذَلِكَ اسْتِنْزَالٌ لِإِحْسَانِهِ، وَاعْتِرَافٌ بِمَا صَدَرَ منهم في حقه.
و (خاطئين) من خطئ إِذَا تَعَمَّدَ.
وَأَمَّا أَخْطَأَ فَقَصْدُ الصَّوَابِ وَلَمْ يُوَفَّقْ له.
و (لا تَثْرِيبَ) لَا لَوْمَ وَلَا عقوبة. وتثريب اسم (لا) وعليكم الخبر، واليوم مَنْصُوبٌ بِالْعَامِلِ فِي الْخَبَرِ أَيْ: لَا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) بِمَ تَعَلَّقَ الْيَوْمَ؟
(قُلْتُ) بِالتَّثْرِيبِ، أَوْ بِالْمُقَدَّرِ فِي عَلَيْكُمْ مِنْ معنى الاستقرار، أو بيغفر.
وَالْمَعْنَى: لَا أَثْرُبُكُمُ الْيَوْمَ، وَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ التَّثْرِيبِ فَمَا ظَنُّكُمْ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَيَّامِ!
ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: (يَغْفِرُ اللَّهُ لكم) فدعا لهم بِمَغْفِرَةِ مَا فَرَطَ مِنْهُمْ. يُقَالُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، وَيَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ عَلَى لَفْظِ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ جَمِيعًا، وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُشَمِّتِ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ.
أَوِ اليوم يغفر الله لكم بِشَارَةً بِعَاجِلِ الْغُفْرَانِ، لِمَا تَجَدَّدَ يَوْمَئِذٍ مِنْ تَوْبَتِهِمْ وَنَدَمِهِمْ عَلَى خَطِيئَتِهِمْ انْتَهَى.
أَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الْيَوْمَ يَتَعَلَّقُ بِالتَّثْرِيبِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ التَّثْرِيبَ مَصْدَرٌ، وَقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ معموله بقوله: وعليكم إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَبَرًا، أو صفة لتثريب، وَلَا يَجُوزُ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ مَعْمُولَ الْمَصْدَرِ مِنْ تَمَامِهِ.
وَأَيْضًا لَوْ كَانَ اليوم متعلقا بتثريب لَمْ يَجُزْ بِنَاؤُهُ، وَكَانَ يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْمُشَبَّهِ بِالْمُضَافِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى الْمُطَوَّلَ، وَيُسَمَّى الْمَمْطُولَ، فَكَانَ يَكُونُ مُعْرَبًا مُنَوَّنًا.
وَأَمَّا تَقْدِيرُهُ الثَّانِي فَتَقْدِيرٌ حَسَنٌ، وَلِذَلِكَ وَقَفَ عَلَى قَوْلِهِ (اليوم) أكثر القراء. وابتدأوا بـ (يغفر اللَّهُ لَكُمْ) عَلَى جِهَةِ الدُّعَاءِ، وَهُوَ تَأْوِيلُ ابْنِ إِسْحَاقَ وَالطَّبَرِيِّ.
وَأَمَّا تَقْدِيرُهُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ اليوم متعلقا بـ (يغفر) فمقول، وَقَدْ وَقَفَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ عَلَى عَلَيْكُمْ، وَابْتَدَأَ (الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ) .
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالْوَقْفُ عَلَى (الْيَوْمَ) أَرْجَحُ فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْآخَرَ فِيهِ حُكْمٌ عَلَى مَغْفِرَةِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بوحي.
وأما قوله:
فَبِشَارَةٌ إِلَى آخِرِهِ، فَعَلَى طريق الْمُعْتَزِلَةِ، فَإِنَّ الْغُفْرَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمَنْ تَابَ.
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: إِنَّمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ أَوْقَاتِ الْعَفْوِ، وَسَبِيلُ الْعَافِي فِي مِثْلِهِ أَنْ لَا يُرَاجِعَ عُقُوبَةً.
وَأَجَازَ الْحَوْفِيُّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْكُمْ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لتثريب، وَيَكُونَ الْخَبَرُ الْيَوْمَ، وَهُوَ وَجْهٌ حَسَنٌ.
وَقِيلَ: عَلَيْكُمْ بيان كلك فِي قَوْلِهِمْ: سَقْيًا لَكَ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يتعلق عليكم بتثريب، لِأَنَّهُ كَانَ يُعْرَبُ، فَيَكُونُ مُنَوَّنًا لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ بَابِ الْمُشَبَّهِ بِالْمُضَافِ. وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ الْخَبَرَ مَحْذُوفٌ، وعليكم مُتَعَلّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَثْرِيبَ، وَذَلِكَ الْمَحْذُوفُ هُوَ الْعَامِلَ فِي الْيَوْمَ وَتَقْدِيرُهُ: لا تثريب يثرب عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، كَمَا قَدَّرُوا فِي لَا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أَيْ: يَعْصِمُ الْيَوْمَ، لَكَانَ وَجْهًا قَوِيًّا، لِأَنَّ خَبَرَ لَا إِذَا عُلِمَ كَثُرَ حَذْفُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَلَمْ يَلْفِظْ بِهِ بَنُو تَمِيمٍ.
وَلَمَّا دَعَا لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ أَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْغُفْرَانِ، وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى أَرْحَمُ الرُّحَمَاءِ، فَهُوَ يَرْجُو مِنْهُ قَبُولَ دُعَائِهِ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ.