فهرس الكتاب

الصفحة 2521 من 4059

{يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67)}

هَذَا نِدَاءٌ بِالصِّفَةِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي هِيَ أَشْرَفُ أَوْصَافِ الْجِنْسِ الْإِنْسَانِيِّ، وَأَمْرٌ بِتَبْلِيغِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَلَّغَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ، فَهُوَ أَمْرٌ بِالدَّيْمُومَةِ.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمِيعَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ، وَأَيَّ شَيْءٍ أُنْزِلَ غَيْرَ مُرَاقِبٍ فِي تَبْلِيغِهِ أَحَدًا وَلَا خَائِفٍ أَنْ يَنَالَكَ مَكْرُوهٌ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِالتَّبْلِيغِ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ وَالْكَمَالِ، لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ: بَلِّغْ، فَإِنَّمَا أُمِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ لَا يَتَوَقَّفَ عَلَى شَيْءٍ مَخَافَةَ أَحَدٍ، وَذَلِكَ أَنَّ رِسَالَتَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَضَمَّنَتِ الطَّعْنَ عَلَى أَنْوَاعِ الْكَفَرَةِ وَفَسَادِ أَحْوَالِهِمْ، فَكَانَ يَلْقَى مِنْهُمْ عَنَتًا، وَرُبَّمَا خَافَهُمْ أَحْيَانًا قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَمَّا بَعَثَنِي اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ ضِقْتُ بِهَا ذَرْعًا وَعَرَفْتُ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُكَذِّبُنِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ» .

وَقِيلَ: هُوَ أَمْرٌ بِتَبْلِيغٍ خَاصٍّ أَيْ: مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنَ الرَّجْمِ وَالْقِصَاصِ الَّذِي غَيَّرَهُ الْيَهُودُ فِي التَّوْرَاةِ وَالنَّصَارَى فِي الْإِنْجِيلِ.

وَقِيلَ: أَمْرٌ بِتَبْلِيغِ أَمْرِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَنِكَاحِهَا.

وَقِيلَ: بِتَبْلِيغِ الْجِهَادِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، وَأَنْ لَا يَتْرُكَهُ لِأَجْلِ أَحَدٍ.

وَقِيلَ: أَمْرٌ بِتَبْلِيغِ مَعَائِبِ آلِهَتِهِمْ، إِذْ كَانَ قَدْ سَكَتَ عِنْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) الْآيَةَ عَنْ عَيْبِهَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَا التَّبْلِيغِ الْخَاصِّ.

قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ بِسَبَبِهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَّنَهُ مِنْ مَكْرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَأَمَرَهُ بِتَبْلِيغِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ فِي أَمْرِهِمْ وَغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ مُبَالَاةٍ بِأَحَدٍ، لِأَنَّ الْكَلَامَ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَعْدَهَا هُوَ مَعَهُمْ، فَيَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ أَجْنَبِيَّةً عَمَّا قَبْلَهَا وَعَمَّا بَعْدَهَا.

(وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ)

أَيْ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ بِتَبْلِيغِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ، وَظَاهِرُ هَذَا الْجَوَابِ لَا يُنَافِي الشَّرْطَ، إِذْ صَارَ الْمَعْنَى: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ لَمْ تَفْعَلْ، وَالْجَوَابُ لَا بُدَّ أن يغاير الشَّرْطَ حَتَّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ. فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَ اللَّهِ فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَكَتَمَهَا كُلَّهَا كَأَنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ رَسُولًا، كَانَ أَمْرًا شَنِيعًا.

وَقِيلَ: إِنْ لَمْ تُبَلِّغْ مِنْهَا أَدْنَى شَيْءٍ وَإِنْ كَلِمَةً وَاحِدَةً فَأَنْتَ كَمَنْ رَكِبَ الْأَمْرَ الشَّنِيعَ الَّذِي هُوَ كِتْمَانُ كُلِّهَا، كَمَا عَظَّمَ قَتْلَ النَّفْسِ بِقَوْلِهِ: (فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)

وَالثَّانِي: أَنْ يُرَادَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ مَا يُوجِبُهُ كِتْمَانُ الْوَحْيِ كُلِّهِ مِنَ الْعِقَابِ، فَوُضِعَ السَّبَبُ مَوْضِعَ الْمُسَبَّبِ، وَيُعَضِّدُهُ

قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ إِنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسَالَاتِي لَأُعَذِّبَنَّكَ» .

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أَيْ إِنْ تَرَكْتَ شَيْئًا فَكَأَنَّكَ قَدْ تَرَكْتَ الْكُلَّ، وَصَارَ مَا بَلَّغْتَ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ. فَمَعْنَى: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَوْفِ.

وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ الشَّاعِرِ:

سُئِلْتَ فَلَمْ تَبْخَلْ وَلَمْ تُعْطِ نَائِلًا ... فَسِيَّانَ لَا ذَمٌّ عَلَيْكَ وَلَا حَمْدُ

أَيْ إِنْ لَمْ تُعْطِ مَا يُعَدُّ نَائِلًا وَأَلَّا تَتَكَاذَبَ الْبَيْتَ.

(وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)

أَيْ لَا تُبَالِ فِي التَّبْلِيغِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْصِمُكَ فَلَيْسَ لَهُمْ تَسْلِيطٌ عَلَى قَتْلِكَ لَا بِمُؤَامَرَةٍ، وَلَا بِاغْتِيَالٍ، وَلَا بِاسْتِيلَاءٍ عَلَيْكَ بِأَخْذٍ وَأَسْرٍ.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي اخْتَرَطَ سَيْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَقْتُلَهُ انْتَهَى.

وَهُوَ غَوْرَثُ بْنُ الحرث، وَذَلِكَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ.

وَرَوَى الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يُرْسِلُ رِجَالًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ يَحْرُسُونَهُ حَتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فَقَالَ: إِنِ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، فَلَا أَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَحْرُسُنِي.

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَ يَهَابُ قُرَيْشًا فَلَمَّا نَزَلَتِ اسْتَلْقَى وَقَالَ: «مَنْ شَاءَ فَلْيَخْذُلْنِي مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» .

وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ حَدِيثَ رُكَانَةَ مِنْ: وَلَدِ هَاشِمٍ مُشْرِكًا أَفْتَكَ النَّاسِ وَأَشَدَّهُمْ، تَصَارَعَ هُوَ وَالرَّسُولُ، فَصَرَعَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثًا وَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَسَأَلَهُ آيَةً، فَدَعَا الشَّجَرَةَ فَأَقْبَلَتْ إِلَيْهِ، وَقَدِ انْشَقَّتْ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ سَأَلَهُ رَدَّهَا إِلَى مَوْضِعِهَا فَالْتَأَمَتْ وَعَادَتْ، فَالْتَمَسَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَدَلَّا عَلَيْهِ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى وَادِ أُضْمٍ حَيْثُ رُكَانَةُ، فَسَارَا نَحْوَهُ وَاجْتَمَعَا بِهِ، وَذَكَرَا أَنَّهُمَا خَافَا الْفَتْكَ مِنْ رُكَانَةَ، فَأَخْبَرَهُمَا خَبَرَهُ مَعَهُ وَضَحِكَ.

وَقَرَأَ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.

وَهَذَا وَمَا قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِمَكَّةَ أَوْ فِي ذَاتِ الرِّقَاعِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ وَالرَّسُولُ بِهَا مُقِيمٌ شَهْرًا، وَحَرَسَهُ سَعْدٌ وَحُذَيْفَةُ، فَنَامَ حَتَّى غَطَّ، فَنَزَلَتْ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِمَا رَأْسَهُ مِنْ قُبَّةٍ آدَمَ وَقَالَ: «انْصَرِفُوا أَيُّهَا النَّاسُ فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ لَا أُبَالِي مَنْ نَصَرَنِي وَمَنْ خَذَلَنِي» وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: وَأَمَّا شَجُّ جَبِينِهِ وَكَسْرُ رُبَاعِيَّتِهِ يَوْمَ أُحُدٍ فَقِيلَ: الْآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ أُحُدٍ، فَأَمَّا إِنْ كَانَتْ قَبْلَهُ فَلَمْ تَتَضَمَّنِ الْعِصْمَةُ هَذَا الِابْتِلَاءَ وَنَحْوَهُ مِنْ أَذَى الْكُفَّارِ بِالْقَوْلِ، بَلْ تَضَمَّنَتِ الْعِصْمَةَ مِنَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، وَأَمَّا مثل هذه ففيها الِابْتِلَاءُ الَّذِي فِيهِ رَفْعُ الدَّرَجَاتِ وَاحْتِمَالُ كُلِّ الْأَذَى دُونَ النَّفْسِ فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَابْتِلَاءُ الْأَنْبِيَاءِ أَشَدُّ، وَمَا أَعْظَمَ تَكْلِيفَهُمْ.

وَأَتَى بِلَفْظِ (يَعْصِمُكَ) لِأَنَّ الْمُضَارِعَ يَدُلُّ عَلَى الدَّيْمُومَةِ وَالِاسْتِمْرَارِ، وَالنَّاسُ عَامٌّ يُرَادُ بِهِ الْكُفَّارُ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ.

وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ الْإِخْبَارَ بِمُغَيَّبٍ وَوُجِدَ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ، فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ أَحَدٌ بِقَتْلٍ وَلَا أَسْرٍ مَعَ قَصْدِ الَأَعْدَاءِ لَهُ مُغَالَبَةً وَاغْتِيَالًا.

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارُهُ بِذَلِكَ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَا جَمِيعُ مَا أَخْبَرَ بِهِ.

(إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ)

أَيْ إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ لَا الْهِدَايَةُ، فَمَنْ قَضَيْتُ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ وَالْمُوَافَاةِ عَلَيْهِ لَا يَهْتَدِي أَبَدًا، فَيَكُونُ خَاصًّا.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَأَمَّا عَلَى الْعُمُومِ عَلَى أَنْ لَا هِدَايَةَ فِي الْكُفْرِ، وَلَا يَهْدِي اللَّهُ الْكَافِرَ فِي سَبِيلِ كُفْرِهِ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُمَكِّنُهُمْ مِمَّا يُرِيدُونَ إِنْزَالَهُ، بَلْ مِنَ الْهَلَاكِ انْتَهَى.

وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لَا يُعِينُهُمْ عَلَى بُلُوغِ غَرَضِهِمْ مِنْكَ.

وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا يَهْدِيهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ.

وَالظَّاهِرُ مِنَ الْهِدَايَةِ إِذَا أُطْلِقَتْ مَا فَسَّرْنَاهَا بِهِ أَوَّلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت