فهرس الكتاب

الصفحة 504 من 4059

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(91)}

وَجَاءَ (يَقْتُلُونَ) بِصُورَةِ الْمُضَارِعِ، وَالْمُرَادُ الْمَاضِي، إِذِ الْمَعْنَى: قُلْ فَلِمَ قَتَلْتُمْ، وَأَوْضَحَ ذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُمْ قَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّهُ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ (مِنْ قَبْلُ) فَدَلَّ عَلَى تَقَدُّمِ الْقَتْلِ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَفَائِدَةُ سَوْقِ الْمُسْتَقْبَلِ فِي مَعْنَى الْمَاضِي الْإِعْلَامُ بِأَنَّ الْأَمْرَ مُسْتَمِرٌّ.

أَلَا تَرَى أَنَّ حَاضِرِي محمد صلى الله عليه وَسَلَّمَ لَمَّا كَانُوا رَاضِينَ بِفِعْلِ أَسْلَافِهِمْ، بَقِيَ لَهُمْ مِنْ قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ جُزْءٌ، وَفِي إِضَافَةِ أَنْبِيَاءَ إِلَى اللَّهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُمْ، وَأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَنْ يُعَظَّمَ أَجَلَّ تَعْظِيمٍ، وَأَنْ يُنْصَرَ، لَا أَنْ يُقْتَلَ.

(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)

قِيلَ: إِنْ نَافِيَةٌ أَيْ مَا كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، لِأَنَّ مَنْ قَتَلَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يُجَامِعُ قَتْلَ الْأَنْبِيَاءِ، أَيْ مَا اتَّصَفَ بِالْإِيمَانِ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ.

قِيلَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ إِنْ شَرْطِيَّةٌ، وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: فَلِمَ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ؟ وَيَكُونُ الشَّرْطُ وَجَوَابُهُ قَدْ كُرِّرَ مَرَّتَيْنِ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، لَكِنْ حُذِفَ الشَّرْطُ مِنَ الْأَوَّلِ وَأُبْقِيَ جَوَابُهُ وَهُوَ: فَلِمَ تَقْتُلُونَ؟ وَحُذِفَ الْجَوَابُ مِنَ الثَّانِي وَأُبْقِيَ شَرْطُهُ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَإِنْ كُنْتُمْ: شَرْطٌ، وَالْجَوَابُ مُتَقَدِّمٌ. وَلَا يَتَمَشَّى قَوْلُهُ هَذَا إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجِيزُ تَقَدُّمَ جَوَابِ الشَّرْطِ، وَلَيْسَ مَذْهَبَ الْبَصْرِيِّينَ إِلَّا أَبَا زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ وَالْمُبَرِّدَ مِنْهُمْ.

وَمَعْنَى مُؤْمِنِينَ: أَيْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ، أَوْ مُتَحَقِّقِينَ بِالْإِيمَانِ صَادِقِينَ فِيهِ، أَوْ مُؤْمِنِينَ بِزَعْمِكُمْ. وَأَجْرَى هَذَا الْقَوْلَ مُجْرَى التَّهَكُّمِ بِهِمْ وَالِاسْتِهْزَاءِ، كَمَا تَقُولُ لِمَنْ بَدَا مِنْهُ مَا لَا يُنَاسِبُهُ: فَعَلْتَ كَذَا وَأَنْتَ عَاقِلٌ، أَيْ بِزَعْمِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت