وَأَعَادَ فِي قَوْلِهِ: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ) الضَّمِيرَ مُفْرَدًا مُذَكَّرًا عَلَى لَفْظِ (مَنْ) وَهُوَ الْأَكْثَرُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ عُمْيٌ فَلَا تَقْدِرُ عَلَى هِدَايَتِهِمْ، لِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي يُهْتَدَى بِهِ إلى رؤية الدلائل قد فَقَدُوهُ، هَذَا وَهُمْ مَعَ فَقْدِ الْبَصَرِ قَدْ فَقَدُوا الْبَصِيرَةَ، إِذْ مَنْ كَانَ أَعْمَى فَإِنَّهُ مُهْدِيهِ نُورُ بَصِيرَتِهِ إِلَى أَشْيَاءَ بِالْحَدْسِ، وَهَذَا قَدْ جَمَعَ بَيْنَ فقدان البصر والبصيرة، وهذه مُبَالَغَةٌ عَظِيمَةٌ فِي انْتِفَاءِ قَبُولِ مَا يُلْقَى إِلَى هَؤُلَاءِ، إِذْ جَمَعُوا بَيْنَ الصَّمَمِ وَانْتِفَاءِ الْعَقْلِ، وَبَيْنَ الْعَمَى وَفَقْدِ الْبَصِيرَةِ.
وَقَوْلُهُ: (أَفَأَنْتَ) ؟ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، وإن لَا يَكْتَرِثَ بِعَدَمِ قَبُولِهِمْ، فَإِنَّ الْهِدَايَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلَّهِ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جَاءَ (يَنْظُرُ) عَلَى لَفْظِ (مَنْ) وَإِذَا جَاءَ الْفِعْلُ عَلَى لَفْظِهَا فَجَائِزٌ أَنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ آخَرُ عَلَى الْمَعْنَى، وَإِذَا جَاءَ أَوَّلًا عَلَى مَعْنَاهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ بِآخَرَ عَلَى اللَّفْظِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ يُلْبَسُ حِينَئِذٍ انْتَهَى.
وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ تُرَاعِي الْمَعْنَى أَوَّلًا فَتُعِيدَ الضَّمِيرَ عَلَى حَسَبِ مَا تُرِيدُ مِنَ الْمَعْنَى مِنْ تَأْنِيثٍ وَتَثْنِيَةٍ وَجَمْعٍ، ثُمَّ تُرَاعِي اللَّفْظَ فَتُعِيدُ الضَّمِيرَ مُفْرَدًا مُذَكَّرًا، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ ذُكِرَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ.
وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَتَيْنِ: إِعْلَامُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ قَدِ انْتَهَوْا فِي النَّفْرَةِ وَالْعَدَاوَةِ وَالْبُغْضِ الشَّدِيدِ فِي رُتْبَةِ مَنْ لَا يَنْفَعُ فِيهِ عِلَاجٌ ألْبَتَّةَ، لِأَنَّ مَنْ كَانَ أَصَمَّ أَحْمَقَ وَأَعْمَى فَاقِدَ الْبَصِيرَةِ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ أَنْ يَقِفَ عَلَى مَحَاسِنِ الْكَلَامِ وَمَا انْطَوَى عَلَيْهِ مِنَ الْإِعْجَازِ، وَلَا يُمْكِنُ هَذَا أَنْ يَرَى مَا أَجْرَى اللَّهُ عَلَى يَدَيْ رَسُولِهِ مِنَ الْخَوَارِقِ، فَقَدْ أَيِسَ مِنْ هِدَايَةِ هَؤُلَاءِ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
وَإِذَا خفيت على المعني فعاذر ... أن لا تراءى مُقْلَةٌ عَمْيَاءُ